السويثاي 301: لا أحد يخرج كاملًا

السويثاي 301: لا أحد يخرج كاملًا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

السويثاي 301: لا أحد يخرج كاملًا

image about السويثاي 301: لا أحد يخرج كاملًا
السويثاي 301: لا أحد يخرج كاملًا

لم يكن أكثر ما أخافه هو الظلام…

بل تلك اللحظة التي أدركتُ فيها أنني لم أعد أنتمي للعالم الذي جئتُ منه.

استيقظت على صوت دقاتٍ معدنية منتظمة، كأن أحدهم يطرق على رأسي من الداخل. فتحت عيني ببطء، فوجدت نفسي ممددًا على أرض حجرية باردة، محفور فيها رموز لم أفهمها، لكنها بدت وكأنها تراقبني.

حاولت النهوض…

ففشلت.

جسدي كان ثقيلًا، ليس كالإرهاق، بل كأن الهواء نفسه يضغط عليّ. رفعت رأسي بصعوبة، فرأيت عشرات الأشخاص من حولي، بعضهم واقف، بعضهم جالس في صمت، وآخرون يحدّقون في الفراغ بعيون فارغة.

وقبل أن أنطق بأي كلمة…

انطفأ الضوء.

ثم اشتعل دفعة واحدة.

كان أمامنا بناء ضخم يشبه المدرج، وفي أعلاه منصة مرتفعة يقف عليها رجل واحد، طويل القامة، يرتدي عباءة سوداء، ووجهه مخفي خلف قناع فضي.

قال بصوت هادئ، لكنه اخترق صدري كالسهم:

«مرحبًا بكم في أرض زيكلاس…

الأرض التي لا تُقاس فيها قيمة الإنسان بما يملك،

بل بما اختار.»

تعالت الهمهمات، وبدأ الخوف يتسلل إلى الوجوه.

رفعت يدي وصرخت:

– فين إحنا؟! وإنت مين؟!

التفت الرجل نحوي ببطء، وكأنه كان ينتظر سؤالي تحديدًا.

«سؤال ممتاز… لكنه مكلف.»

وفي لحظة، ظهر فوق رأسي رقم مضيء في الهواء.

– 17 –

شهقت.

لم أكن الوحيد… كل شخص فوقه رقم مختلف.

«هذا هو رصيدك»، تابع الرجل.

«كل قرار اتخذته في حياتك، وكنت تعلم أنه صعب…

أضاف لك نقطة.

وكل قرار هربتَ منه… خصم.»

ابتلعت ريقي.

أنا؟ 17 فقط؟

ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:

«الخروج من زيكلاس…

مستحيل.»

ساد الصمت.

«إلا إذا وصلتَ إلى… الصفر.»

صرخ أحدهم:

– صفر؟! يعني نموت؟!

ضحك الرجل ضحكة قصيرة باردة.

«لا…

الصفر يعني أنك واجهت نفسك كاملة.

وقليلون فقط ينجحون.»

ثم أشار بيده، فانفتح باب هائل خلفنا، يخرج منه ضوء أحمر خافت.

«اللعبة بدأت.

وأول اختبار…

سيجبركم على اختيار شيء لن تنسوه أبدًا.»

تحرك الجميع ببطء نحو الباب…

أما أنا، فكنت أحدّق في الرقم فوق رأسي،

وأدركت أنني لم أخف يومًا كما خفت الآن.

لأنني لأول مرة…

لم أكن متأكدًا أنني أريد النجاة.لم يتحرك أحد.

كأن الباب الأحمر لم يكن بابًا، بل تهديدًا مفتوحًا.

الضوء الخارج منه لم يكن ثابتًا؛ كان ينبض… كقلبٍ مريض.

«اختاروا»،

قال صاحب القناع.

«الدخول متاح للجميع…

لكن الخروج؟

ليس مضمونًا.»

خطا شابٌ نحيف خطوة للأمام. كان يرتجف، لكن عينيه تحملان شيئًا يشبه التحدي.

– لو دخلنا… إيه اللي هيحصل؟

صمت الرجل لحظة، ثم أجاب:

«ستُسألون سؤالًا واحدًا فقط.

الإجابة عليه…

ستُكلفكم رقمًا.»

ضحك الشاب بمرارة: – يعني نجاوب غلط نموت؟

«لا»،

قال الرجل.

«الخطأ هنا…

هو الهروب.»

وقبل أن يفهم أحد ما يعنيه ذلك،

تحرك الرقم فوق رأس الشاب.

– 23 → 21 –

صرخ: – إيه ده؟! أنا ما عملتش حاجة!

«فعلت»،

قال صاحب القناع.

«سألت… ولم تدخل.»

تراجَعَ الشاب خطوةً للخلف، وبدأ الذعر ينتشر.

نظرتُ حولي.

الأرقام تتحرك ببطء فوق الرؤوس…

تنقص بلا سبب واضح.

فهمت.

التردد نفسه قرار.

شدّدت قبضتي، وتقدّمت.

كل خطوة نحو الباب كانت أثقل من التي قبلها،

كأن الأرض تحاول إقناعي بالعودة.

عند العتبة، توقفت.

صوت داخلي صرخ:

ارجع… مش لازم.

وفجأة—

– 17 → 15 –

ارتجفت.

دخلت.

لم يكن ما وراء الباب كما توقعت.

لا نار.

لا وحوش.

بل… غرفة بيضاء فارغة.

وفي منتصفها، مرآة ضخمة.

ظهرت كتابة سوداء على الجدار:

انظر.

ولا تكذب.

اقتربت ببطء.

في البداية، رأيت وجهي فقط…

مرهقًا، شاحبًا.

ثم تغيّر المشهد.

رأيت نفسي أصغر سنًا.

واقفًا أمام صديقٍ قديم…

كان يبكي.

كنت أستطيع مساعدته.

كنت أعرف ذلك.

لكنني…

استدرت ورحلت.

ارتجّ صدري.

ظهر السؤال على الجدار:

لماذا رحلت؟

فتحت فمي…

لكن الكلمات علقت.

لأنني كنت أعرف الحقيقة.

ولم أحبها.

ظهر خياران تحت السؤال:

الخوف

اللامبالاة

ترددت.

ثانيتان فقط…

لكن الرقم فوق رأسي اهتز.

– 15 → ؟ –

أغمضت عيني.

وضغطت.

سمعت صوتًا باردًا يقول:

«الاعتراف…

مؤلم.

لكنه لا يقتل.»

فتحْتُ عيني.

المرآة تشققت.

والغرفة بدأت تختفي.

وقبل أن أسقط في الظلام،

لمحت الرقم فوق رأسي…

– 12 –

كنت ألهث.

خسرت ثلاث نقاط.

لكن لأول مرة…

شعرت أنني ربحت شيئًا آخر.من لا يختار… يُختار له

سقطتُ على ركبتيّ وأنا أتنفس بصعوبة، كأنني خرجتُ للتو من تحت الماء.

الغرفة البيضاء اختفت، وعدتُ إلى المدرج الحجري…

لكن شيئًا كان مختلفًا.

الأصوات أعلى.

الوجوه أشد رعبًا.

والأرقام…

لم تعد ثابتة.

كانت تتحرك، تومض، كأنها تفقد صبرها.

نهضتُ ببطء.

لم أحتج أن أنظر لأعرف أنني لم أكن الوحيد الذي دخل المرآة.

بعضهم خرج باكيًا.

بعضهم يضحك ضحكة مكسورة.

وشخص واحد فقط… لم يخرج.

صرخت فتاة: – فين الولد اللي دخل قبلي؟!

لم يجبها أحد.

ظهر صاحب القناع من جديد، كأن الظلال لفظته.

«ليس الجميع يعود»،

قال بهدوء.

«البعض يختار الصمت…

والصمت هنا…

إجابة.»

ارتجف جسدي.

رفعت فتاة يدها بعصبية: – يعني إيه؟ هو مات؟!

مال الرجل برأسه قليلًا:

«لا نستخدم هذه الكلمة في زيكلاس.»

ثم أشار إلى الأرض.

ظهرت دائرة سوداء،

وفي وسطها رقم واحد…

0

«الصفر لا يعني نهاية»،

تابع.

«بل…

تحوّل.»

ابتلعتُ ريقي.

كنت أظن أن الصفر نجاة.

لكن صوته لم يحمل أي رحمة.

ثم قال الجملة التي شقّت المكان:

«والآن…

الاختبار الثاني.»

انفتح باب جديد.

لكن هذه المرة…

لم يكن أحمر.

كان أسود تمامًا.

«ستدخلون أزواجًا»،

قال.

«كل شخصين يعرفان بعضهما…

أو يظنّان ذلك.»

تعالت الاعتراضات: – ما نعرفش بعض!

– إحنا غرب!

– ده مش عدل!

ابتسم صاحب القناع من تحت القناع.

شعرتُ بابتسامته رغم أنني لم أرها.

«زيكلاس لا يهتم بالعدل…

بل بالحقيقة.»

وفجأة—

تحرك شيء في صدري.

شعور غريب.

كأن أحدهم…

يناديني.

التفتُّ.

كانت الفتاة التي صرخت منذ قليل تنظر إليّ.

عيونها متسعة، ووجهها شاحب.

همست: – إنت…

دخلت المرآة صح؟

أومأت.

قالت بصوت مكسور: – أنا كمان.

وفي نفس اللحظة،

ظهر فوق رأسينا خط ضوء…

يربط رقمينا معًا.

– 12 ↔ 9 –

قال صاحب القناع:

«أنتما…

فريق.»

شهقت: – فريق إيه؟!

«فريق القرار»،

قال.

«لو نجا أحدكما…

سيدفع الآخر الثمن.»

تجمّدت الدماء في عروقي.

التفتُّ إليها،

وكان السؤال واضحًا في عينيها:

هل ستضحي بي؟

أم…

هل سأضحي بك؟

وانغلق الباب الأسود خلفنا.كان الظلام كثيفًا لدرجة أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.

الباب الأسود أغلق خلفنا بصوتٍ مكتوم، كأنه دفننا أحياء.

سمعتُ أنفاسها قبل أن أراها.

– إنت… إنت سامعني؟

صوتها كان قريبًا… قريبًا جدًا.

– سامعك،

قلتُ وأنا أحاول أن أثبت صوتي.

– إحنا فين؟

لم تُجب.

ثم—

أضاء المكان فجأة.

كنا نقف في ممر طويل، جدرانه مغطاة بصور…

لا، ليست صورًا.

ذكريات.

رأيت نفسي طفلًا، أضحك.

ثم مراهقًا، أكذب.

ثم شابًا، أتهرب.

التفتُّ إليها.

كانت تحدّق في الجدار الآخر، ودموعها تنزل بصمت.

– دي…

همست.

– دي حياتي.

وقبل أن أتمكن من الرد،

ظهر النص على الجدار بيننا:

سيخرج واحد فقط.

والآخر… سيتعلّم.

صرخت: – يعني إيه يتعلّم؟!

اهتز الممر،

وظهر صاحب القناع… لكن هذه المرة داخل المكان.

«التعلّم في زيكلاس»،

قال بهدوء قاتل،

«هو أن تعيش نتيجة قرار غيرك.»

ثم أشار إلى الأرض.

انفتح لوح حجري،

وظهر زران.

أحدهما أبيض.

والآخر… أسود.

«الأبيض»،

قال،

«يُنقذك.»

«الأسود…

يُنقذك أكثر.»

نظرتُ إليه بغضب: – أكتر إزاي؟!

«لأنك إن اخترت الأسود…

ستخرج ومعك نقاط إضافية.»

التفتُّ إلى الرقم فوق رأسي.

– 12 –

ثم نظرتُ إلى رقمها.

– 9 –

فهمت.

الأبيض = نجاتي فقط.

الأسود = نجاتي… على حسابها.

قالت بصوتٍ مكسور: – متبصليش كده…

– إحنا لسه ما نعرفش بعض.

اقتربت خطوة، وأضافت: – بس واضح إن زيكلاس شايف إن واحد فينا…

مش مهم.

كانت محقة.

والأسوأ؟

كنت أعرف أنني فكرت في الزر الأسود.

وهنا…

ظهر شيء جديد.

نص صغير أسفل الزرين:

التردد يُخصم تلقائيًا.

بدأ الرقم فوق رأسي يومض.

– 12 → 11 –

تسارعت أنفاسي.

قالت فجأة: – لو خرجت…

– متنسانيش.

صرخت: – اسكتي!

– مش لازم حد يموت!

ابتسم صاحب القناع:

«لم أقل يموت.»

ثم اقترب وهمس:

«البقاء هنا…

أحيانًا أسوأ.»

مددتُ يدي.

والوقت…

كان ينفد.كان الزرّان أمامي،

أبيض وأسود،

وكأنهما عينان تنتظران أن أغمض إحداهما للأبد.

الرقم فوق رأسي يومض بعنف.

– 11 → 10 –

قالت بصوت واهن: – الوقت بيخلص…

نظرتُ إليها.

لأول مرة، لم أرَ الخوف فقط…

رأيت الاستسلام.

مددتُ يدي…

لكن ليس نحو أي زر.

ضربتُ الحائط.

تشقّق الحجر.

صرخ صاحب القناع:

«توقّف!»

لم أتوقف.

ضربت مرة أخرى،

وثالثة،

حتى بدأت الذكريات على الجدران تهتز… ثم تصرخ.

سمعنا أصواتًا مختلطة: ضحك.

بكاء.

صراخ اعتذار.

صرخت هي: – إنت بتعمل إيه؟!

قلتُ وأنا ألهث: – لو الاختيار ده حقيقي…

يبقى لازم يكون ليه ثمن.

ظهر رقم جديد بيننا، لم يكن فوق أي رأس.

– ؟ –

ساد صمت ثقيل.

تقدّم صاحب القناع خطوة، وصوته لأول مرة لم يكن ثابتًا.

«لم يُسمح لك بهذا.»

قلت: – يبقى زيكلاس كدّابة.

– بتقول دايمًا فيه اختيار…

بس بتحطنا في سكة واحدة.

اهتز المكان بعنف.

ثم…

انطفأ كل شيء.

استيقظتُ وحدي.

الغرفة مختلفة.

أصغر.

أبرد.

وأمامى…

مرآة أخرى.

لكن هذه المرة…

لم أرَ نفسي.

رأيتُ صاحب القناع.

رفع يده،

ونزع القناع ببطء.

تجمّدتُ في مكاني.

كان…

وجهي.

قال بصوتي:

«كل اختبار عديته…

كنت بتختبر نفسك.»

«وزيكلاس؟

مش مكان.»

اقتربت المرآة مني.

«زيكلاس…

قرار.»

ظهر الرقم فوق رأسي من جديد.

– 0 –

ثم ظهرت جملة واحدة فقط:

هل أنت مستعد أن تعود…

وتتذكّر؟

وقبل أن أجيب—

سمعتُ صوتها تصرخ باسمي من بعيد.كان صوتها يناديني،

قريب… وبعيد في نفس الوقت،

كأنه خارج من صدري لا من المكان.

– إوعى…

– متسيبنيش…

مددتُ يدي نحو المرآة،

فانشقّ الزجاج دون أن يتكسر.

دخلت.

لم أعد في زيكلاس.

كنتُ في غرفة ضيقة، جدرانها رمادية،

نافذة صغيرة في الأعلى،

وسرير حديدي أعرفه جيدًا.

غرفتي.

لكن…

أقدم.

سمعت صوتًا خلفي: – فاكر اليوم ده؟

التفتُّ.

كانت أنا…

نسخة أضعف، أصغر، تجلس على السرير ورأسها بين يديها.

قال الصوت من العدم:

«دي اللحظة اللي بدأ فيها كل شيء.»

تقدّمت خطوة.

رأيت المشهد يكتمل:

هاتف على الأرض.

رسائل لم أرد عليها.

اسمها… يلمع على الشاشة.

ارتجف قلبي.

قلت: – لا…

«آه»،

قال الصوت.

«اخترت الصمت.»

«وافتكرت إن الهروب…

مش اختيار.»

سمعت صرخة مكتومة،

ثم سكون.

تلاشى المشهد فجأة.

عدتُ إلى الفراغ.

لكن هذه المرة…

لم أكن وحدي.

كانت تقف أمامي.

الفتاة.

حيّة.

لكن عينيها لم تعودا كما كانتا.

قالت بهدوء مرعب: – فهمت دلوقتي؟

– فهمت إيه؟!

صرخت.

اقتربت خطوة.

– زيكلاس مش بيخلق اختيارات…

– هو بيعيدك للحظة اللي هربت منها.

ظهر الرقم فوق رأسي من جديد.

لكن لم يكن رقمًا.

كان سطرًا كاملًا:

لم تخسر نقاطك…

بل أجلت الحساب.

نظرتُ إليها: – وإنتِ؟

– إنتِ ليه هنا؟

ابتسمت ابتسامة حزينة: – علشان أنا…

– نتيجتك.

انفتح باب أخير خلفها.

ليس أسود.

ليس أحمر.

بل شفاف.

قال صوت صاحب القناع، من كل مكان:

«المرحلة الأخيرة.»

«إما أن تعود وتُكمل ما هربت منه…»

«أو تبقى هنا…

وتُصبح اختبارًا لغيرك.»

تقدّمت هي نحو الباب،

ثم التفتت إليّ.

– المرة دي…

– القرار مش هيخصم منك رقم.

ثم همست: – هيخصم منك حد.

ووضعت يدها على الباب.كانت يدها على الباب الشفاف،

وأنا أعرف…

لو فتحته، واحد فينا هيختفي للأبد.

قلت بصوت مبحوح: – استني.

التفتت.

عينيها لمعتا، لكن من غير أمل.

– مفيش وقت،

قالت بهدوء.

– زيكلاس مش بيحب التردد.

نظرتُ للباب.

ثم لنفسي.

ثم…

فهمت.

التضحية مش إني أموت.

ولا إني أسيبها تمشي.

التضحية إني أتحمّل اللي هربت منه طول عمري.

تقدّمت خطوة للأمام.

– افتحي الباب،

قلت.

تجمدت: – إنت بتقول إيه؟!

– افتحيه…

– وأنا هفضل هنا.

اتسعت عينيها: – إنت مجنون؟

– ده معناه إنك—

قاطعها الصوت من كل مكان:

«سيصبح جزءًا من زيكلاس.»

«ذاكرة حيّة.»

«اختبارًا لا يرحم.»

ابتسمتُ بمرارة: – طول عمري كنت اختبار فاشل.

– يمكن أفلح هنا.

ظهر الرقم فوق رأسي للمرة الأخيرة.

لم يكن رقمًا.

كان اسمًا.

اسمي.

قال الصوت:

«هل تؤكد؟

لا عودة بعد هذا.»

نظرتُ إليها.

– ارجعي.

– وكمّلي اللي أنا سيبته.

صرخت: – وأنا أعيش بإيه؟!

اقتربتُ، ولمستُ الزجاج.

كان دافئًا… كقلب.

– عيشي بالاختيار اللي أنا مقدرتش آخده.

ضغطتُ بيدي على الجدار خلفي.

انغلق المكان.

انفتح الباب أمامها وحدها.

وقبل أن تختفي،

قالت بصوت مكسور: – اسمك إيه؟

ابتسمت: – لما تحتاجي شجاعة…

– افتكريني.

ثم…

اختفت.

ساد الصمت.

ثم ظهر صاحب القناع.

اقترب…

ووضع القناع في يدي.

«الآن…

أنت السؤال.»

نظرتُ للقناع.

لبسته.

وشعرت بشيء ينكسر داخلي…

ثم يستقر.

انفتح باب جديد.

دخل منه شخصان خائفان.

نظرا إليّ.

سألا بصوت مرتجف: – إحنا فين؟

سمعت صوتي يخرج هادئًا… باردًا:

«مرحبًا بكم في أرض زيكلاس.»

«هنا…

لا تُقاس قيمتكم بما تملكون.»

«بل بما أنتم مستعدون…

أن تخسروه.»

ورأيت فوق رأسي…

رقمًا واحدًا فقط.

لم يكن القناع ثقيلًا…

لكن الإحساس اللي تحته كان خانقًا.

كنت أرى كل شيء.

لا بعينيّ…

بل بذكرياتي.

كل شخص يدخل زيكلاس،

كنت أراه قبل أن يصل.

لحظة ضعفه.

القرار اللي هرب منه.

فهمت الحقيقة المرعبة:

زيكلاس لا يختار الناس عشوائيًا.

هو يجمعهم…

منّي.

سمعتُ صوت خطوات.

دخل شاب وفتاة، متشابكي الأيدي، الخوف واضح في عيونهم.

قال الشاب: – لو سمحت… إحنا عايزين نخرج.

كنت سأرد بالجملة المعتادة…

لكن شيئًا ما شدّني.

رأيت خلف عينيه ذكرى:

باب مفتوح.

أم تبكي.

وهو يرحل.

اهتزّ القناع.

قالت الفتاة: – هو إنت ساكت ليه؟

رفعتُ يدي…

فتوقف الزمن.

نظرتُ إليهما،

ولأول مرة منذ دخلت زيكلاس…

شعرت بالذنب.

لأنني أدركت شيئًا خطيرًا:

أنا لا أختبرهم…

أنا أعيد إنتاج هروبي.

ظهر الصوت القديم، أعمق من قبل:

«الآن تفهم.»

«التضحية لم تكن النهاية.»

«كانت بداية الدور الأصعب.»

قلت بصوت خافت: – وإمتى أخلص؟

ساد صمت طويل.

ثم جاء الرد الذي لم أكن مستعدًا له:

«عندما يختارك أحدهم…

ويقرر أن يبقى بدلًا منك.»

ارتجفت.

يعني…

لا خلاص لي

إلا لو حد ضحّى بيا.

وفجأة—

شعرت بشيء يتغير في زيكلاس.

الجدران اهتزّت.

الأرقام فوق الرؤوس اختلّت.

والبوابات بدأت تفتح وحدها.

سمعتُ صوتًا أعرفه.

صوتها.

– لسه هنا… صح؟

التفتُّ ببطء.

كانت تقف خارج الدائرة.

ملامحها أقوى.

أهدأ.

قالت: – رجعت علشان أصلّح الغلط.

– مش علشان أنجو.

صرخ الصوت:

«هذا غير مسموح!»

ابتسمت هي: – ولا كان مسموح إنك تاخده مكاني.

نظرت إليّ: – الدور عليك دلوقتي…

– تختار.

ظهر خياران في الهواء:

أن تبقى الإله

أن تعود إنسانًا… وتتحاسب

نظرتُ للقناع في يدي.

ولأول مرة…

لم أعرف

أي خيار هو الهروب.

انفجر الضوء.

الأرض تحت قدميّ تشققت كزجاج،

والأرقام فوق الرؤوس تحولت إلى شظايا حمراء تتطاير في الهواء.

صرخ الناس.

بعضهم سقط.

بعضهم اختفى.

صاح الصوت الغاضب:

«التوازن انكسر!»

رأيتها تركض نحوي.

– لو فضلت واقف كده،

– زيكلاس هيبتلعنا الاتنين!

امتدت من الجدران سلاسل سوداء،

تلتف حول أعناق المختبَرين،

تشدّهم للخلف بعنف.

صرخ شاب: – أنا اعترفت!

– أنا واجهت نفسي!

لكن السلسلة سحبته…

وتحوّل صوته إلى صدى.

نظرتُ إلى يديّ.

القناع كان يتشقق.

كل شرخ فيه…

ذكرى.

ليالي الهروب.

مكالمات لم أرد عليها.

قرارات أجلتها…

حتى ماتت.

صرخت: – كفاية!

نزعت القناع.

وفي اللحظة دي—

زيكلاس صرخ.

الجدران انهارت.

المدرج تحوّل إلى ساحة حرب.

اختبارات تشتغل لوحدها،

من غير قوانين.

مرآة انفجرت.

باب اشتعل.

وشخص خرج يركض وهو يصرخ: – أنا مش مستعد!

– أنا مش مستعد!

أمسكتُ يدها: – لو عايزين نطلع…

– لازم ندمّر القلب.

– قلب إيه؟!

أشرتُ إلى السماء المتشققة.

في المنتصف…

رقم ضخم نابض.

قلت: – زيكلاس عايش على إن الناس تفضّل تهرب.

– لو حد واجه كل حاجة مرة واحدة…

– النظام ينهار.

قذفتني موجة طاقة في الهواء.

اصطدمتُ بالحائط،

والألم كان حقيقيًا… جدًا.

نزفت.

ضحك الصوت:

«الألم جزء من التعلّم.»

زحفتُ وأنا ألهث.

كل خطوة كانت تسحب مني ذكرى.

اسمي.

صوت أمي.

ملامح وشي.

صرخت هي: – استنى!

– كده هتختفي!

ابتسمتُ لها، والدم في فمي: – أهو ده الفرق…

– المرة دي

مش بهرب.

قفزتُ.

مددتُ يدي نحو الرقم اللانهائي.

لمسته.

انفجار.

نور أبيض ابتلع كل شيء.

سكون.

فتحتُ عينيّ.

كنت على الأرض.

سماء عادية.

ولا أرقام.

هي كانت جنبي…

تبكي وتضحك في نفس الوقت.

قالت: – الناس خرجت…

– زيكلاس اختفى.

حاولتُ أتكلم…

لكن صوتي ما طلعش.

نظرتُ ليدي.

شفافة.

قالت وهي تفهم: – إنت…

– كسرت النظام.

ابتسمتُ بصعوبة.

في الأفق…

رأيت آخر شيء يختفي.

باب صغير…

مكسور.

وعليه كلمة واحدة:

الاختيار.

ما خرج… لم يخرج كاملًا

لم أكن موجودًا…

لكنني كنت واعيًا.

لا جسد.

لا صوت.

مجرد إحساس ثقيل بأنني معلّق بين قرارين لم يُحسما.

رأيتها تجلس على الأرض، تحيط ركبتيها بذراعيها،

تنظر إلى يدي الشفافتين كأنها تخاف أن تختفيا فجأة.

– متسيبنيش…

قالت وهي تبكي.

– مش بعد كل ده.

حاولت أن أطمئنها.

أن أقول إن التضحية كانت اختياري.

لكن الكلمات لم تعد لي.

وفجأة—

اهتزّ الهواء.

ظهر شيء…

لم يكن بابًا.

لم يكن مرآة.

كان ظلًا.

سمعت الصوت الذي ظننت أنه مات:

«زيكلاس لا يُدمَّر.»

«هو يتكيّف.»

التفتت حولها بفزع: – إنت لسه موجود؟!

ضحك الظل:

«أنا لست المكان.»

«أنا الأثر.»

شعرتُ بشيء ينسحب مني…

ذكرى أخيرة.

أهم ذكرى.

صرخت: – سيبها!

لكن الصوت لم يسمعني.

اقترب الظل منها:

«أنتِ خرجتِ.»

«لكن هل واجهتِ كل شيء؟»

ظهرت فوق رأسها…

ليس رقمًا.

بل سؤال:

ماذا ستفعلين بالحقيقة؟

نظرت إليّ.

كانت تفهم الآن.

زيكلاس لم يكن اختبارًا واحدًا.

كان عدوى.

قامت ببطء.

مسحت دموعها.

وقالت بثبات لم أعرفه فيها من قبل: – لو الاختبار مستمر…

– يبقى أنا مش ههرب.

نظر الظل إليها طويلًا.

ثم…

تراجع.

بدأ يتلاشى.

قبل أن يختفي، قال:

«إذن…

سنلتقي من جديد.»

اختفى.

ساد الصمت.

ثم شعرتُ بشيء يحدث لي.

ثِقَل.

نبض.

ألم.

صرختُ—

وخرج الصوت هذه المرة.

فتحتُ عينيّ.

كنت أتنفس.

بجسد.

لكن…

ليس كما كنت.

نظرتُ إلى يدي.

لم تكن شفافة.

لكن على معصمي…

علامة صغيرة، سوداء، على شكل:

نظرت إليّ وهي تبتسم بخوف: – واضح إن زيكلاس…

– ساب فينا حتة.

وقبل أن أجيب—

مرّ شخص بجانبنا.

نظر إلينا…

ثم توقّف فجأة.

وعلى رأسه…

لمع شيء خافت.

رقم.

نظرتُ إليها.

قالت بصوت منخفض: – متقوليش إن—

قلتُ بهدوء مرعب: – آه.

زيكلاس خرج من المكان…

ودخل العالم.

ما يُدفن… لا ينام

الرقم فوق رأس الرجل لم يلمع طويلًا.

انفجر.

ليس ضوءًا…

بل صرخة.

سقط على ركبتيه وهو يضغط على رأسه،

وعروق عنقه تنتفخ كأنها تحاول الهرب من جلده.

صرخت هي: – إبعد عنه!

لكن زيكلاس كان أسرع.

انتشرت العلامة ∞ على الأرض كحبرٍ حيّ،

تزحف وتلتف حول أقدام الناس.

كل من لامسها…

تذكّر.

تذكّر دفعة واحدة.

سمعنا صرخات في كل مكان.

ناس تقع.

ناس تضرب رؤوسها بالحائط.

ناس تعترف بأشياء لم تُقَل يومًا.

أمسكتُ رأس الرجل.

عيناه كانتا حمراوين، دامعتين.

– مش قادر…

– كلهم رجعوا…

قالها وهو يبكي.

– كل اللي سيبتهم… رجعوا!

ثم—

توقف قلبه.

سقط بين يديّ.

الدم كان دافئًا.

نظرتُ إلى يديّ.

العلامة على معصمي بدأت تأكل جلدي،

كأنها تطالب بالباقي.

قالت وهي تصرخ: – لازم نمشي!

– ده مش اختبار… ده حصاد!

لكن زيكلاس لم يكن يريد الجميع.

كان يريدني.

عاد الظل…

أكبر.

أثقل.

«أنت الباب.»

«وأنت المفتاح.»

فهمت الحقيقة أخيرًا.

التضحية الأولى كسرت النظام.

لكن الثانية…

ستغلقه للأبد.

ابتسمتُ لها، والدم ينزل من أنفي: – فاكرة لما قلتلك عيشي بالاختيار اللي مقدرتش آخده؟

هزّت رأسها وهي تبكي: – لا…

– لأ…

دفعتُها بعيدًا.

قفزتُ داخل العلامة.

صرختُ بكل ما تبقّى فيّ: – خُدني لوحدي!

انكمش الظل.

صرخ.

الأرض انفتحت.

سمعتُ عظامي تتكسر…

ليس مرة واحدة…

بل ذكرى ذكرى.

آخر ما رأيته…

كانت هي تزحف نحوي، ودموعها تقع على الأرض.

ثم—

سكون.

في اليوم التالي…

اختفت العلامة.

توقفت الصرخات.

قيل في الأخبار:

سكتة جماعية مجهولة السبب.

لم يذكر أحد اسم زيكلاس.

هي وحدها كانت تعرف.

تقف أحيانًا أمام المرآة،

وتلمس معصمها.

لا علامة.

لكن في عينيها…

شيء مكسور لا ينام.

وفي ليالٍ نادرة…

حين يتردد أحد طويلًا أمام قرار صعب…

يسمع همسة خافتة لا يعرف مصدرها:

«الهروب اختيار…

وله ثمن.»

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamedfarag0 تقييم 4.98 من 5. حقق

$0.34

هذا الإسبوع
المقالات

27

متابعهم

25

متابعهم

3

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.