صرخات من الطابق السفلي
صرخات من الطابق السفلي
لم يكن “سليم” يؤمن بالقصص التي يتداولها أهل القرية عن المنزل القديم في نهاية الطريق الترابي. كانوا يقولون إن أصواتًا غريبة تُسمع كل ليلة، صرخات مكتومة، وخبطات على الجدران كأن أحدًا محبوس في الداخل. لكن بالنسبة له، لم تكن تلك سوى خرافات لتخويف الأطفال.
في إحدى الليالي، وبعد تحدٍ مع أصدقائه، قرر سليم أن يذهب إلى المنزل وحده. كان القمر بدراً، ينير الطريق بشكل خافت، والهواء باردًا على غير المعتاد. كلما اقترب، شعر بشيء غريب يضغط على صدره، لكنه تجاهل ذلك وأقنع نفسه أنه مجرد توتر.
وصل إلى الباب الخشبي المتهالك، ودفعه ببطء. أصدر الباب صريرًا طويلًا كأنه يصرخ من الألم. الداخل كان مظلمًا، إلا من ضوء القمر الذي تسلل عبر النوافذ المكسورة. كانت رائحة العفن تملأ المكان، وكأن الزمن توقف هنا منذ سنوات طويلة.
خطا سليم أولى خطواته داخل المنزل، وصوت الأرضية الخشبية تحت قدميه كان مرتفعًا بشكل مزعج. نظر حوله، فوجد أثاثًا قديمًا مغطى بالغبار، وصورًا معلقة على الجدران لأشخاص بوجوه مشوهة بفعل الزمن. لكن أكثر ما لفت انتباهه كان بابًا صغيرًا في نهاية الممر، يبدو أنه يؤدي إلى الطابق السفلي.
تذكر ما قاله أهل القرية: “لا تفتح باب القبو أبدًا”.
ابتسم بسخرية، وتقدم نحوه. كل خطوة كانت تجعل قلبه ينبض أسرع، حتى وصل أخيرًا إلى الباب. كان مقفلاً بسلسلة حديدية صدئة، لكنها بدت ضعيفة. أمسك بها وشدها بقوة حتى انكسرت.
فتح الباب ببطء… ومن الداخل، خرج هواء بارد كأنه نفس شخص ميت.
نزل الدرج الخشبي بحذر، وكلما نزل درجة، كان الظلام يزداد كثافة. أخرج هاتفه ليستخدمه كمصدر ضوء، لكن الضوء كان ضعيفًا بالكاد يكشف ما أمامه. عندما وصل إلى الأسفل، وجد غرفة صغيرة، جدرانها مغطاة بخطوط غريبة وكأنها كتابات بلغة غير مفهومة.
وفجأة… سمع الصوت.
“ساااااعدني…”
تجمد سليم في مكانه. كان الصوت خافتًا، لكنه واضح. جاء من زاوية الغرفة. وجه ضوء هاتفه نحو المصدر، فرأى صندوقًا خشبيًا كبيرًا. اقترب منه ببطء، وكلما اقترب، كان الصوت يزداد وضوحًا.
“أخرجني… أرجوك…”
مد يده المرتعشة نحو غطاء الصندوق، وتردد للحظة… ثم فتحه.
في البداية، لم يرَ شيئًا. لكن بعد ثوانٍ، بدأت ملامح وجه تظهر من الظلام داخل الصندوق. وجه شاحب، عيناه غارقتان في السواد، وابتسامة مرعبة تمتد ببطء.
صرخ سليم وتراجع للخلف، لكن فجأة… أُغلق الصندوق بقوة من تلقاء نفسه.
ثم ساد الصمت.
ظن أن الأمر انتهى… لكنه سمع صوت خطوات خلفه.
استدار ببطء… ولم يكن هناك أحد.
لكن عندما نظر مرة أخرى نحو الصندوق، وجده مفتوحًا.
وفارغًا.
بدأت أنفاسه تتسارع، وشعر بشيء خلفه مباشرة. قبل أن يتمكن من الالتفات، سمع همسة في أذنه:
“شكراً لأنك حررتني…”
انطفأ هاتفه فجأة، وغرق المكان في ظلام دامس. حاول الركض نحو الدرج، لكنه لم يجد الطريق. الجدران بدت وكأنها تتحرك، والمكان أصبح ضيقًا أكثر.
ثم بدأت الصرخات… عشرات الأصوات تصرخ معًا، تملأ أذنيه حتى كاد يفقد وعيه.
وفي صباح اليوم التالي، جاء أهل القرية بعد أن لاحظوا اختفاء سليم. وجدوا باب المنزل مفتوحًا، لكن لم يكن هناك أي أثر له… سوى هاتفه المكسور عند مدخل القبو.
ومنذ تلك الليلة…
أصبحت هناك صرخة جديدة تُسمع من الطابق السفلي.