« أجمل لحظات الحبّ التي يمكن أن يعيشها المرء»
لحظات من الحب في زمن الشتاء
في الشتاء، تكتب الأقلام بصدق أكبر، كأن الحبر يسيل من القلب لا من الأصابع. الكلمات لا تتجمّل، ولا تبحث عن إعجاب، فقط تخرج كما هي؛ دافئة، مرتجفة، وحقيقية. وربما لذلك، كلما أقبل الشتاء، امتلأت القلوب بالشوق، وكأن هذا الفصل وحده يعرف كيف يوقظ ما خبّأته الأرواح طويلًا. أسأل الشتاء: لماذا تأتينا كل عام محمّلًا بكل هذا الحنين؟ فيبتسم بصمت، ويترك المطر يجيب نيابة عنه، كأنه يقول إن القلوب لا تتطهّر إلا حين تبكي السماء.
رائعة هي لحظات الحب في زمن الشتاء، حين تتلاقى قطرات المطر مع دفء المشاعر، فيصير القلب موطنًا آمنًا رغم قسوة البرد. في لياليه الطويلة، أجدني أجلس قرب النافذة، أراقب الشارع الخالي، المصابيح الصفراء المرتجفة، وانعكاس الضوء على الإسفلت المبتل، وكأن العالم قد قرر أن يهدأ قليلًا ليمنحنا فرصة للإنصات إلى ذواتنا.
في سكون الليل، لا شيء يعلو فوق صوت المطر، ذلك الصوت الذي يشبه الهمس أو الاعترافات المؤجلة. أشعر وكأن كل قطرة تحمل حكاية، وكل حكاية تلامس جزءًا خفيًا من قلبي. ورغم برودة الطقس، ينبض داخلي دفء لا يُفسَّر؛ دفء يولد من الحب، من الذكريات، ومن الأمل الذي لا يموت.
أحب رائحة المطر، فهي تعيدني إلى طفولتي، إلى طرقاتٍ ركضت فيها بلا خوف، وإلى وجوهٍ أحببتها بصدق. تلك الرائحة لا تشبه شيئًا آخر؛ كأنها مزيج من الحنين والطمأنينة، تجعلني أشعر أن العالم، رغم قسوته، ما زال قادرًا على منحنا لحظات نقية. وأحب صوت المطر وهو يطرق النوافذ، وكأنه زائر قديم جاء ليطمئن قلبي أنه لم ينسَ الطريق.
في الصباح، يبدو الشتاء أكثر لطفًا. يحمل المطر رسائل خفية للأرواح المتعبة، ويغسل القلق عن الصدور، ويترك خلفه إحساسًا بالتجدّد. أراقب السماء الرمادية، وأشعر أن الغيوم ليست حزنًا، بل انتظارًا؛ انتظارًا لفرحٍ قادم أو بداية جديدة. أتمنى أحيانًا لو أستطيع أن ألتقط حبات البرد وأصنع منها عقدًا يبرّد صدري، لكن حرارة الحب تذيب كل شيء، وتعلّمني أن الدفء الحقيقي لا يُلمس، بل يُحَس.
المطر، والبرد، والثلج، والرعد، والبرق، كلها تفاصيل شتوية تجعلني أشعر بأنني حيّة. أحب النسيم البارد وهو يمر على وجهي، يحمل معه نسمات البحر، ويحرّك أغصان الشجر في رقصة هادئة. حتى البحر في الشتاء يبدو أكثر صدقًا، أقل ضجيجًا، وأكثر قربًا من القلب.
اشتقنا أن تقرع قطرات المطر نوافذنا، فتوقظ فينا الشوق والحنين. ومع لمسات المطر على وجنات المدينة الصغيرة، نشتم في أنفاسه رائحة العطر الفوّاح. لو تعلم كم يدفئني بردك، وكم يشعلني جمر حبك، وترويني قطرات شتائك، وتنعشني أنسام رياحك، وتدهشني ألوان قوس قزحك بعد العاصفة.
لم يفشل الشتاء يومًا في أن يجعلني سعيدة، لأنه فصل الصدق، فصل المشاعر العارية من الزيف. فيه نحب بعمق، ونشتاق بصدق، ونتصالح مع أنفسنا. أحب كل لحظة فيه؛ كل قطرة مطر، كل نسمة برد، كل فنجان قهوة دافئ، وكل شروق شمس بعد ليلة ممطرة.
فالشتاء ليس فصلًا من فصول السنة فقط، بل حالة شعورية؛ هو الحياة حين تهمس، والحب حين يكتمل، والسعادة حين تأتي بهدوء.
بقلم الكاتبة: زينب محمد (لوزة)
