تماثيل حتشبسوت: بين القوة السياسية ومحاولة محو الذاكرة

تماثيل حتشبسوت: بين القوة السياسية ومحاولة محو الذاكرة

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

تماثيل حتشبسوت: بين القوة السياسية ومحاولة محو الذاكرة

image about تماثيل حتشبسوت: بين القوة السياسية ومحاولة محو الذاكرة

تُعد الملكة حتشبسوت إحدى أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ المصري القديم، فهي التي تولّت الحكم كفرعون في فترة كانت السلطة فيها حكراً على الرجال. حكمها، الذي امتد نحو عشرين عامًا، شهد استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا، فضلًا عن مشاريع معمارية ضخمة أبرزها معبدها في دير البحري ومعبدها في الكرنك، إضافة إلى بعثات تجارية وأعمال إنشائية أضفت على مصر ازدهارًا غير مسبوق.

رغم إنجازاتها، فقد واجهت آثارها بعد وفاتها محاولة منهجية لمحو ذكراها. تشير الدراسات الأثرية إلى أن تماثيل حتشبسوت تعرضت للتكسير عمدًا، لا سيما في معبد الكرنك ووادي الملوك، حيث وُجدت العديد من التماثيل مكسورة الرؤوس أو مشوهة، وأُزيلت منها الأسماء والعناوين الملكية. كان هذا التدمير متعمّدًا لتفريغ التماثيل من أي رمزية ملكية، ما يعكس محاولة سياسية واضحة لمحو تأثيرها من الذاكرة الجمعية للمصريين.

يرى المؤرخون أن السبب الأساسي وراء هذا التدمير سياسي وديني، مرتبط بمفاهيم السلطة الذكورية في مصر القديمة. فبعد وفاتها، أراد بعض الخلفاء، وربما تحتمس الثالث تحديدًا، محو أثر حكمها ومنع أي اعتراف بسلطتها كفرعون. إن تكسير التماثيل وإزالة الألقاب لم يكن مجرد فعل عدائي، بل كان أداة لإعادة رسم التاريخ وفق رؤية جديدة، حيث تصبح سلطة الذكور هي السائدة والوحيدة المعترف بها رسميًا.

إضافة إلى ذلك، تشير بعض المصادر إلى أن إعادة استخدام المواد الحجرية أو البرونزية من تماثيلها لصناعة تماثيل أخرى حدثت في بعض الحالات، لكنها لم تكن السبب الرئيس للتكسير، بل جاءت كثمرة ثانوية بعد محو رمزية حتشبسوت. هذه الظاهرة تعكس أيضًا الجانب العملي للفراعنة في استغلال المواد الثمينة، إذ كان الحجر والبرونز من الموارد المهمة في صناعة التماثيل والمعابد.

توضح الدراسات الأثرية أن التماثيل المتضررة لم تقتصر على النحت الكبير فقط، بل شملت تماثيل صغيرة وأعمدة حجرية في معابد متعددة. فقد تم تكسير رؤوسها وأذرعها وحذف أسماءها على الجدران، ما يعكس حرصًا متعمدًا على محو كل أثر مرئي للسلطة النسائية التي مارستها. هذا التدمير الواسع يجعل من الصعب تتبع إنجازاتها بدقة، ويظهر كيف يمكن أن تُستخدم القوة السياسية لمحاولة التحكم في التاريخ المكتوب.

رغم ذلك، بقيت بعض التماثيل سليمة جزئيًا أو كاملة، مما أتاح للمؤرخين وعلماء المصريات دراسة أسلوبها الفني وفهم طبيعة حكمها. ومن المثير للاهتمام أن بعض التماثيل المدمرة تكشف عن مراحل إصلاح أو إعادة استخدام، ما يعطي الباحثين فكرة عن مدى تأثير سياسات محو الذاكرة على التراث الفني في مصر القديمة.

وفي السنوات الأخيرة، أظهرت دراسة حديثة أن تكسير تماثيل حتشبسوت لم يكن مجرد انتقام سياسي أو كراهية تجاه كونها امرأة، كما كان يُعتقد سابقًا. فقد أظهرت الأبحاث أن العديد من التماثيل تضررت بشكل متعمد في نقاط محددة مثل الرقبة والخصر والركبتين، وهو جزء من طقوس مصرية قديمة كانت تهدف إلى تعطيل “قوة التمثال” بعد وفاة الملك أو الملكة. هذا الطقس، المعروف في الدراسات الحديثة باسم “التعطيل الطقوسي”، كان معمولًا به حتى مع تماثيل فراعنة آخرين، ولم يقتصر على حتشبسوت فقط.
كما أظهرت الدراسة أن بعض الأضرار كانت مرتبطة لاحقًا باستخدام التماثيل كمواد بناء أو إعادة تدويرها، ما يؤكد أن التدمير لم يكن عشوائيًا، بل له بعد طقوسي واستخدام عملي. مع ذلك، بقيت هناك أبعاد سياسية ودينية معقدة لمسألة إزالة أسماء حتشبسوت من بعض السجلات والتماثيل، لكنها لم تكن السبب الوحيد وراء التكسير.

يمكن القول إن ما جرى لتماثيل حتشبسوت يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لمحاولات محو ذكرى الحكام في مصر القديمة، حيث لم يكن الهدف تدمير الفن فحسب، بل محو الهوية الملكية وفرض رؤية سياسية ودينية جديدة. ومع ذلك، بقيت آثارها شاهدة على حكمها وإنجازاتها، إذ أن التماثيل المدمرة والمشوهة لا تزال تُدرس وتعرض في المتاحف، شاهدة على صراع القوة والذاكرة والطقوس الدينية في التاريخ المصري القديم.

وأخيرًا، يمكن اعتبار تجربة حتشبسوت درسًا في قوة الفن والرمزية الملكية، حيث تبقى التماثيل، حتى بعد محاولات التدمير، أداة لإعادة سرد التاريخ وفهم الصراعات السياسية والدينية والثقافية التي شكلت مصر القديمة. إنها تذكير بأن محاولات محو الذاكرة قد تفشل أمام صمود الفن والرمزية عبر العصور

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

245

متابعهم

73

متابعهم

194

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.