صديق فوق الشباك
حين علّمني العصفور

منذ وفاة والده، لم يعد آدم كما كان.
صار البيت واسعًا أكثر من اللازم، وصار الصمت ثقيلًا كأنه جدار. كان يعود من عمله، يضع مفاتيحه بهدوء، ويجلس في نفس المقعد الذي كان والده يجلس فيه… ثم ينظر إلى الفراغ.
لم يكن يبكي. كان فقط يعيش.
في أحد الأيام، بينما كان ينفض الغبار عن شرفة لم تُفتح منذ شهور، وجد عصفورًا عالقًا بين قضبانها. جناحه مصاب، وأنفاسه سريعة. حمله بين يديه بتردد، كأنه يخاف أن ينكسر بين أصابعه.
لم يكن يعرف شيئًا عن الطيور، لكنه عرف شيئًا واحدًا:
الكائنات المكسورة لا تُترك وحدها.
صنع له صندوقًا صغيرًا، وضع فيه قطعة قماش قطنية، وبدأ يطعمه ويعتني به. في البداية كان العصفور يرتجف كلما اقترب آدم، لكن مع الأيام بدأ يهدأ. كان يراقبه بعينين صغيرتين فيهما خوف… ثم فضول… ثم شيء يشبه الثقة.
أطلق عليه اسم "روح".
كل مساء، كان آدم يجلس أمام الصندوق ويتحدث. لم يكن يقصد أن يتحدث، الكلمات كانت تخرج وحدها.
حكى له عن والده، عن شعوره بالذنب لأنه لم يقل له "أحبك" في آخر يوم، عن خوفه من أن يعيش بقية عمره هكذا… نصف حي.
والعصفور كان يستمع.
بعد أسابيع، بدأ جناح "روح" يلتئم. صار يقف بثبات، يحرك جناحيه بحذر، ثم يقفز محاولةً للطيران. وفي يوم مشمس، فتح آدم الشباك. حمله بين كفيه، ووقف صامتًا.
قال له بصوت مكسور:
"أنا عالجتك… بس يمكن أنت اللي عالجتني."
فتح يديه.
تردد العصفور لحظة، ثم طار. لم يسقط. لم يلتفت.
شعر آدم بوخزة ألم… ثم ابتسم. لأول مرة منذ شهور، لم يشعر أن الرحيل يعني الفقد.
بعض الأشياء تأتي إلى حياتنا لا لتبقى… بل لتذكّرنا أننا ما زلنا قادرين على الحب.
في اليوم التالي، عاد آدم إلى الشرفة. لم ينتظر أحدًا. لكنه زرع زهرة جديدة، وفتح الشباك على اتساعه.
فهو تعلّم أخيرًا أن القلب، مثل الجناح،
لا يشفى إلا حين يجرؤ على الطيران.
مرت أسابيع، وآدم يحاول إقناع نفسه أن كل شيء عاد طبيعيًا.
عاد للعمل، عاد للضحك الخفيف مع الزملاء، عاد للنوم… لكن الشرفة بقيت مفتوحة، كأنها تنتظر اعترافًا لم يُقال بعد.
في إحدى الليالي، حلم بوالده.
لم يكن الحلم واضحًا، فقط كان يقف بعيدًا، يشير إلى السماء، ثم يبتسم دون كلام. استيقظ آدم وقلبه يخفق، وإحساس غريب يضغط صدره.
في الصباح، وجد ريشة صغيرة فوق حافة الشباك.
نفس اللون… نفس النعومة.
لم يعرف لماذا بكى هذه المرة.
ربما لأنه فهم أخيرًا.
في الأيام التالية، بدأ يلاحظ أشياء لم يكن يراها من قبل:
العصافير التي تقف بلا خوف قربه، الضوء الذي يدخل الغرفة في نفس الساعة كل يوم، صوته الداخلي الذي لم يعد قاسيًا كما كان.
صار يتحدث… لكن ليس مع أحد.
يتحدث مع نفسه، ومع والده، ومع ذلك العصفور الذي لم يعد موجودًا لكنه ترك أثره.
وذات مساء، بينما كان يجلس في الشرفة، سمع خبطًا خفيفًا.
ليس على الزجاج… بل في قلبه.
عصفور صغير، مختلف، أقل جرأة، وقف مترددًا على السور.
نظر إليه آدم طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وقال:
"مش لازم تدخل… كفاية إنك عرفتني إني لسه هنا."
طار العصفور بعد لحظات.
أغلق آدم الشباك، لكن لم يشعر بالضيق هذه المرة.
لأن بعض الصداقات لا تُقاس بطولها،
بل بما تتركه خلفها.
وفي تلك الليلة، ولأول مرة منذ زمن طويل،
نام آدم دون أن يحلم…
لأنه لم يعد هاربًا من اليقظة.
مرّ عام.
لم يعد آدم ينتظر العصافير، لكنه لم يغلق الشرفة أبدًا.
صارت الشرفة مكان اعترافاته الصامتة… مكانًا لا يُصلَّى فيه بالكلمات، بل بالقبول.
في صباح ربيعي هادئ، بينما كان يسقي الزهور التي زرعها بعد رحيل "روح"، لاحظ عشًا صغيرًا بين أوراق النبات.
توقف قلبه لحظة.
اقترب ببطء… كان هناك ثلاث بيضات صغيرة، بيضاء، هشة.
لم يلمسها. لم يحاول أن يتدخل.
جلس بعيدًا يراقب فقط.
ولأول مرة في حياته، فهم الفرق بين أن تنقذ شيئًا… وأن تتركه ينمو وحده.
مرت الأيام، وفقست البيضات.
أفواه صغيرة مفتوحة للحياة، أصوات ضعيفة تطلب طعامًا، وأمّ تحوم بلا توقف، وأب يهبط ويصعد في صمت.
كان يشاهدهم كما يشاهد دورة كاملة من البداية… دون أن يكون هو مركزها.
وذات مساء، بينما كانت الفراخ الصغيرة تحاول فرد أجنحتها لأول مرة، شعر آدم بشيء داخله يتمدد.
لم يكن حزنًا.
ولم يكن فرحًا.
كان… سلامًا.
تذكر والده فجأة، ليس وهو يموت، بل وهو يضحك.
تذكر صوته، يده، طريقته في ترتيب كتفيه عندما يربت عليه.
وفهم أخيرًا:
الحب لا يموت برحيل أصحابه…
هو فقط يغيّر شكله.
العصافير الصغيرة طارت بعد أسابيع.
واحدًا تلو الآخر.
هذه المرة لم يشعر آدم بالوحدة.
لم يشعر أن شيئًا يُنتزع منه.
كان واقفًا في الشرفة، والهواء يمرّ من حوله، وهو يهمس:
"شكراً… علّمتوني إن الفقد مش نهاية… ده تحوّل."
وفي تلك اللحظة، أدرك شيئًا بسيطًا وعميقًا جدًا:
لم يكن العصفور هو من تعلّم الطيران.
هو… كان آدم.
وقف آدم في الشرفة مع الغروب، لا ينتظر أحدًا هذه المرة.
السماء كانت واسعة، بلا وعد، وبلا خوف.
مدّ يده في الهواء، ثم أنزلها مبتسمًا.
لم يعد يحتاج أن يتمسّك.
فبعض الصداقات
لا تأتي لتبقى…
بل لتعلّمنا كيف نترك،
ونظل كاملين.
النهاية .