مقالات اخري بواسطة RANA
حين تهدأ القلوب

حين تهدأ القلوب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حين تهدأ القلوب

image about حين تهدأ القلوب

في زاوية هادئة من المدينة، جلست ليلى وحدها في مقهى قديم، دفترها الأسود مفتوح أمامها، والقلم بين أصابعها يهتز أحيانًا مع حدة المشاعر التي لم تستطع السيطرة عليها. كانت تكتب لتفهم نفسها أكثر، لتسجل كل شعور صغير قبل أن يتحوّل إلى غبار منسي. كل صفحة كانت تعكس صراعها بين رغبتها في الحب وخوفها من فقدانه، بين الحنين لما مضى والرغبة في المضي قدمًا.

أحمد، الرجل الذي دخل حياتها صدفة، كان مختلفًا. رجل يحمل ثقل الماضي في صمت، ضحكاته قليلة، وابتساماته محكومة بحذر. التقاها أول مرة في مكتبة قديمة، حيث كانت الكتب تتحدث قبل الكلمات، وحيث كان الصمت يفضح أكثر مما تخفيه الأصوات. نظر إليها طويلاً، وكأن الزمن توقف، لكن ليلى لم ترفع عينيها. شعرت بخوف غريب، شعور بأن كل ما يقترب منه سيكون مؤلمًا.

بدأ حديثهما بحذر شديد. كلمات قليلة، نظرات قصيرة، وابتسامات تكاد تكون مشفرة. كل لقاء كان اختبارًا: هل يمكن للثقة أن تُبنى بين شخصين يخبئان جروحهما بعناية؟ مع مرور الوقت، اكتشف كلاهما أن الآخر مرآة لماضيهما: جروح أحمد العميقة من خيانات وفقدان، وجروح ليلى من صدمات لم تعترف بها لنفسها بعد.

تداخلت الصدف مع حياتهما. رسالة قديمة وصلت ليلى فجأة، صديق أحمد الذي جاء ليحذره من التعلق، وذكريات لم تُنسَ من علاقة سابقة. صار الحب معقدًا، ممتلئًا بالشغف والخوف في آن واحد. كل كلمة كانت لها أكثر من معنى، وكل ابتسامة كانت رسالة مزدوجة: هل هذه بداية أم تحذير؟

ومع مرور الأيام، بدأ الكره يتسلل، ليس بكلمات صاخبة، بل بصمت متراكم. كل انسحاب، كل لحظة تردد، وكل خوف من التعلق، كان يبني جدارًا بينهما. ليلى شعرت أنها تحب وحدها، وأن أحمد يعيش نصف حضور فقط، بينما أحمد شعر أنه سيخسر أي محاولة للتقارب، لكنه يخاف أن يترك قلبه للآخر.

مرت أشهر، ومعها تغيّر كل شيء. ليلى أصبحت أكثر وعيًا بذاتها، تعلمت أن تحب بدون أن تفقد هويتها، وأن لا تنتظر من الآخر ما لا يستطيع تقديمه. أحمد بدأ يرى في الصمت الذي عاش فيه حلاً جزئيًا، لكنه عرف أن المواجهة أهم من الهروب.

وفي أحد الأمسيات، التقاها مجددًا في المقهى نفسه، لكن الجو مختلف هذه المرة. لم يكن هناك توتر واضح، فقط شعور بالحنين والاحترام. جلسا، وتحدثا عن الماضي بلا لوم، عن الخوف بلا قسوة، عن الحب الذي لم يُكتمل بلا أسى. أدركا أخيرًا أن بعض اللقاءات لا تُكمل، لكنها تغيّرنا إلى الأبد، وتعلّمنا أن نعيش بلا خديعة، بلا انتظار، وبصدق أكبر.

خرجت ليلى أولاً، عابرة الشارع المظلم، تحمل دفترها وكلماتها، تشعر بخفة لم تعرفها منذ سنوات. وأحمد وقف دقيقة، يراقبها، ثم ابتسم لنفسه. لم يكونا معًا، ولم يكونا أعداء، لكن كل منهما كان أقل ضياعًا، وأكثر فهمًا لما يريد من قلبه وحياته.

وعلى أوراق الليل، بقيت قصتهما مكتوبة، شاهدة على الحب الذي لا يموت، الكره الذي يتحوّل، والضياع الذي يتحوّل إلى وعي، وعلى حقيقة واحدة: أحيانًا لا تكون النهاية نهاية، بل بداية للفهم الحقيقي.

بعد اللقاء في المقهى، تغيرت الأمور ببطء. ليلى لم تعد تحمل دفترها إلى كل مكان، لكنها لم تتركه تمامًا. صار كتابها صديقها الأكثر صدقًا، ينصت إليها بلا لوم، يحتضن أفكارها حين يتراكم الألم داخلها. بدأت تتحدث مع نفسها أكثر، تحلل كل شعور، وتكتب عن كل موقف كما لو كانت ترسم خارطة لقلبها، محاولة أن تفهم لماذا ضاعت مع الحب ولم تفقد نفسها بالكامل بعد.

أما أحمد، فكان يعيش في شقة صغيرة، مليئة بالكتب القديمة والصور التي لا يعرف لماذا احتفظ بها. كان يذهب للعمل، يضحك مع زملائه، لكنه يعود كل ليلة ليجلس أمام النافذة، يتأمل الشوارع المظلمة، يتذكر ليلى ودفترها الأسود. حاول أن ينسى، لكنه اكتشف شيئًا مهمًا: الهروب لا يحرره من الحب، بل يربطه أكثر بالذكريات.

مرت أسابيع، وصار لقاؤهما شبه منتظم. ليس حبًا تقليديًا، ولا علاقة رسمية، بل لقاءات هادئة في أماكن عادية: المقهى، المكتبة، الشارع الفارغ عند الغروب. بدأ كل منهما يرى الآخر بلا جدار كامل. ضحكوا معًا، تحدثوا عن أحلام صغيرة، لكن الصمت كان حاضرًا دائمًا، صمت يقول: "أنا هنا، لكني أخاف".

تدخلت شخصيات ثانوية تزيد التوتر: صديقة ليلى المقربة، هند، التي حاولت حماية ليلى من "خيبة جديدة"، وصديق أحمد القديم، سامر، الذي نصحه بعدم التعلق مرة أخرى. كل نصيحة كانت تزيد حدة الصراع الداخلي: هل يستحق القلب المخاطرة؟ وهل الحب مع الشخص الآخر قدر أو خطأ؟

وذات يوم، حدث موقف قلب المعايير رأسًا على عقب. انقطع أحمد عن التواصل فجأة، لم يرد على الرسائل، اختفى كأنه لم يكن موجودًا. شعرت ليلى بالفراغ الكبير الذي لم يسبق لها أن شعرت به. بدأت تسأل نفسها: هل الحب مجرد خديعة نصدقها؟ هل كل شعور كان حقيقيًا؟ كان الألم عميقًا، لكنه مختلف عن أي خسارة سابقة.

بعد أيام، ظهر أحمد في المكان المعتاد فجأة. لم يكن هناك كلام كبير، فقط نظرات طويلة وابتسامة حذرة. جلسا، وتبادلا كل شيء: الألم، الخوف، الفقد، وحتى الكره الذي نما بينهما بسبب الصمت والغياب. أدركا أخيرًا أن الحب بلا صدق لا يُبنى، وأن الكره غالبًا يولد من سوء التفاهم والخوف، وأن الضياع الحقيقي هو أن نخاف من مواجهة ما نحب.

مرت الأشهر، وصار كل منهما أكثر قوة. ليلى بدأت رحلة جديدة مع نفسها، تقرأ أكثر، تسافر أحيانًا، وتتعلم أن تحب بدون أن تفقد هويتها. وأحمد تعلم أن المواجهة أهم من الهروب، وأن الحب الحقيقي ليس في الامتلاك، بل في فهم الآخر وتركه حرًا، حتى لو كان قلبك معلقًا به.

وفي مساء هادئ، جلسا مرة أخرى في المقهى. لم يكن هناك وعد باللقاء المقبل، ولا كلام عن العودة. كانت مجرد نظرات متبادلة، احترام متبادل، وامتنان خفي لكل لحظة عاشاها، وكل درس تعلموه من بعضهما. لم يعودا معًا، ولم يبقَ بينهما حقد، لكن كل منهما كان أقل ضياعًا، وأكثر فهمًا للحب والكره والذات.

وهكذا، بقيت أوراق الليل شاهدة على قصتهما، على الحب الذي يُعلمنا الصبر، الكره الذي يُعلّمنا الحدود، والضياع الذي يُحوّلنا إلى أشخاص قادرين على مواجهة قلوبنا بصراحة، وعيش الحياة بلا خداع، بلا انتظار، وبصدق أكبر من أي وقت مضى.

بعد اللقاء الأخير في المقهى، صار كل يوم بالنسبة لليلى درسًا جديدًا. لم تعد تهرب من مشاعرها، لكنها لم تسمح لها أن تتحكم فيها. بدأت تكتب أكثر، ليس فقط عن أحمد، بل عن كل شيء حولها: أصدقاء صادقون، أشخاص يخدعونها أحيانًا، طرق المدينة المظلمة، أصوات المطر على الزجاج. كل كلمة كانت بمثابة محاولة لترتيب قلبها، حتى لا تضيع بين الحنين والخوف.

أما أحمد، فبدأ يرى الحياة بشكل مختلف. عاد إلى الشوارع التي كان يهرب منها، جلس على مقاعد المكتبة التي التقاها فيها أول مرة، وأعاد قراءة الرسائل القديمة والدفاتر التي تركتها ليلى. فهم أن الصمت الذي اتخذه لم يكن حماية، بل جدار يقف أمام الحب الحقيقي. وبدأ يكتب أيضًا، ليس للآخرين، بل لنفسه، ليواجه مشاعره المخفية، ليعرف لماذا خاف ولماذا أحب.

وذات يوم، دعاهما القدر إلى معرض كتب صغير، حيث كان يقام معرض قديم للكتب المستعملة. التقاها هناك، بين الصفوف الضيقة، وبين رفوف مليئة بالكتب التي تحكي قصصًا عن حب ضائع، وخيانات، وأحلام غير مكتملة. كانت اللحظة صامتة، وكأن كل شيء من حولهما توقف، إلا دقات القلب التي لم تهدأ.

جلسا معًا، تحدثا بلا كلمات طويلة. كل كلمة كانت موزونة، كل ابتسامة تحمل اعتذارًا أو فهمًا صامتًا. بدأت ليلى ترى في أحمد شخصًا ناضجًا، لا مثاليًا، لكنه تعلم من أخطائه. وبدأ أحمد يرى في ليلى امرأة أقوى، لم تعد تنتظر، لكنها قادرة على الحب بصدق أكبر.

دخلت شخصيات جديدة لتضيف طبقات أكثر للحياة: صديق أحمد الماكر، كريم، الذي حاول أن يغار من العلاقة ويثير الشك، وصديقة ليلى، سارة، التي كانت تحذرها دائمًا من الوقوع مجددًا في ألم الحب، وطفل صغير في المقهى يذكّر ليلى بالبراءة التي فقدتها أحيانًا في رحلتها مع أحمد. كل تدخل كان اختبارًا صغيرًا، يعلمهما كيف يحميان حبهما أو كيف يتركانه إذا كان غير صادق.

مرت أشهر. ليلى بدأت مشروعها الكتابي الخاص، تعيش بين الكلمات والصفحات. أحمد ساعدها، ليس بالسيطرة أو التوجيه، بل بالمشاركة الصامتة، بالوجود حين تحتاج، وبالابتعاد حين تحتاج وحدها. صار حبهم ناضجًا، صامتًا أحيانًا، لكنه حاضر في كل قرار يتخذونه.

وفي نهاية السنة، جلسا معًا في المقهى ذاته، حيث بدأ كل شيء. لم تكن هناك وعود، ولا توقعات، ولا خوف من الماضي. كانت هناك فقط نظرات صادقة، وابتسامات بسيطة، وفهم تام أن الحب لا يحتاج دائمًا للامتلاك، وأن الكره لا يولد إلا من الخوف، وأن الضياع الحقيقي هو أن نخاف من مواجهة ما في داخلنا.

خرجت ليلى أولًا، تحمل دفترها الجديد، كتبها، وحبها المنضبط، بينما وقف أحمد دقيقة، يراقبها بصمت، ثم ابتسم. لم يكونا معًا بشكل تقليدي، لكنهما صارا معًا بطريقة أعمق: معًا في الفهم، معًا في النضج، ومعًا في القدرة على مواجهة الحب والكره والضياع دون أن يفقدا نفسيهما.

وهكذا، بقيت أوراق الليل شاهدة على قصة حب لم تكن مثالية، لكنها حقيقية. قصة عن الحب والكره والضياع، وعن الصمت الذي يعلمنا أكثر من الكلام، وعن القرارات التي تصنع نضج القلب، وعن الحياة التي تمنحنا دومًا فرصة لنكون صادقين مع أنفسنا، بلا خوف، بلا انتظار، وبصدق أكبر من أي وقت مضى.

لم يكن الاستقرار الذي وصلا إليه سهلًا ولا سريعًا. كان هشًا في بدايته، يشبه السير على أرض مبتلة؛ خطوة خاطئة واحدة كفيلة بإعادة كل شيء إلى نقطة الصفر. ليلى كانت تشعر بذلك جيدًا. كانت تحب أحمد، لكنها لم تعد مستعدة لأن تخسر نفسها مرة أخرى. صارت تراقب مشاعرها بوعي، لا تقمعها ولا تطلقها بلا حساب.

أحمد من جهته كان يعيش صراعًا صامتًا. جزء منه يريد الاقتراب أكثر، أن يقول لها: “ابقِي”، والجزء الآخر يخاف أن يعيد نفس الدائرة القديمة. كان يدرك أن الحب هذه المرة مختلف، ناضج، لكنه أيضًا أكثر خطورة، لأنه لا يختبئ خلف الاندفاع، بل يطلب صدقًا كاملًا.

بدأت الخلافات الصغيرة تظهر. ليست خلافات صاخبة، بل اختلافات في الرغبة، في التوقيت، في طريقة التعبير. ليلى تحب الوضوح، وأحمد ما زال يتعلمه. ليلى تحتاج كلمة تطمئنها، وأحمد يظن أن الفعل يكفي. ومع كل اختلاف، كان هناك خياران: الهروب أو المواجهة.

وفي إحدى الليالي، حدث أول صدام حقيقي. قالت له ليلى بصوت هادئ لكنه متعب:
“أنا مش عايزة حب يخليني أقوى بس لوحدي… عايزة شراكة.”

لم يرد فورًا. الصمت كان عادته القديمة، لكنه هذه المرة كان صمت تفكير، لا هروب. أدرك أن الحب الذي لا يُقال بصراحة يتحول ببطء إلى عبء، وأنه إن لم يتغير الآن، سيخسرها ليس كحبيبة فقط، بل كإنسانة دخلت حياته بصدق نادر.

مرت أيام ثقيلة. لم يختفِ، ولم يقترب. ترك لها مساحة، وترك لنفسه وقتًا للمواجهة. كتب كثيرًا، مزّق أوراقًا، اعترف لنفسه بأشياء لم يقلها من قبل: أنه يخاف الفقد أكثر مما يخاف الوحدة، وأنه اعتاد الانسحاب لأنه لم يتعلم يومًا كيف يبقى.

عاد بعدها مختلفًا. لم يعد يعدها بأشياء كبيرة، لكنه صار صريحًا في الصغيرة. قال لها:
“أنا مش كامل، بس حاضر… ولو خوفت، هقول بدل ما أختفي.”

لم تبكِ ليلى. فقط شعرت بشيء يهدأ داخلها. لم يكن هذا اعترافًا رومانسيًا، لكنه كان أصدق ما سمعته منذ زمن.

مع الوقت، لم تختفِ المخاوف تمامًا، لكنها فقدت سيطرتها. تعلّما أن الكره ليس عكس الحب، بل نتيجة له حين يُدار بالخوف. وتعلّما أن الضياع لا يحدث فجأة، بل حين نتجاهل أنفسنا طويلًا.

وفي إحدى الصفحات الأخيرة من دفتر ليلى، كتبت:
“لم أنقذني الحب، ولم يهلكني. علّمني فقط أين أقف، ومتى أمد يدي، ومتى أترك.”

لم تكن قصتهما مثالية، ولن تُروى كحكاية عشق أسطورية. لكنها كانت حقيقية، مليئة بالتردد، بالوعي، وبالمحاولات الصادقة. قصة عن حب لا يصرخ، وكره لا يسيطر، وضياع ينتهي حين نختار أنفسنا دون أن نهرب من الآخر.

وهكذا، بقيت أوراق الليل مفتوحة…
لأن بعض القصص لا تُغلق، بل تستمر داخلنا، كلما تعلمنا كيف نحب بوعي، ونخسر بكرامة، ونبقى بصدق.

في مساء بسيط، بلا احتفال ولا وعود كبيرة، جلست ليلى وحدها تقلب صفحات دفترها القديم. لم تشعر بحزن، ولا بفرح صاخب، فقط سلام خفيف يشبه الاكتمال. أدركت أن الحب لم يخذلها، وأن الضياع لم يكن إلا طريقًا للفهم.

أما أحمد، فكان يسير في شارع هادئ، يفكر لأول مرة دون ثقل. عرف أن بعض العلاقات لا تُكتب لتستمر، بل لتُصلح فينا ما كان مكسورًا. لم يشعر بالخسارة، بل بالامتنان.

لم يعودا لبعضهما، ولم يبقَ بينهما شيء معلق. انتهت القصة حين اختارا الصدق بدل التعلق، والوعي بدل الخوف.وهكذا، لم تكن النهاية فراقًا، بل نضجًا…
أن يعرف كلٌ منهما كيف يحب، دون أن يضيع نفسه مرة أخرى.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
RANA تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

4

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.