الغرفة رقم صفر
الغرفة رقم صفر

حين انتقل “ياسين” إلى البناية، لاحظ شيئًا غريبًا في لوحة الأزرار داخل المصعد.
الأزرار تبدأ من 1… ثم 2… حتى 10.
لكن بين 3 و4 كان هناك فراغ صغير… كأن زرًا أُزيل.
سأل البواب، فضحك الرجل وقال:
“مفيش حاجة اسمها الدور صفر هنا.”
لم يفهم ياسين معنى الجملة… حتى تلك الليلة.
الساعة 12:00 تمامًا، توقف المصعد فجأة أثناء نزوله.
الأضواء انطفأت لثوانٍ، ثم عاد النور خافتًا.
ظهر زر لم يكن موجودًا من قبل.
زر أسود صغير مكتوب عليه: 0
لم يلمسه…
لكنه شعر بالمصعد يتحرك.
توقف.
فتح الباب.
لم يكن هذا طابقًا عاديًا.
ممر طويل ضيق، جدرانه إسمنت عارٍ، وأنوار بيضاء تومض ببطء.
وفي نهاية الممر… باب واحد فقط.
كان مكتوبًا عليه اسمه.
تجمد مكانه.
حاول أن يغلق باب المصعد… لكنه اختفى.
لم يعد خلفه شيء سوى الجدار.
اضطر أن يمشي.
كل خطوة كانت أثقل من السابقة.
كلما اقترب، بدأ يسمع صوتًا خافتًا… كأنه تسجيل قديم.
حين وصل، سمعه بوضوح.
كان صوته هو.
“أنا هنا من قبلك… لا تفتح الباب.”
ارتجفت يده… لكنه فتح.
—
الغرفة كانت نسخة طبق الأصل من شقته.
نفس الأثاث. نفس الرائحة.
لكن كل شيء مغطى بطبقة خفيفة من الغبار… كأن المكان مهجور منذ سنوات.
وفي منتصف الغرفة، جلس رجل على الأرض… ظهره إليه.
قال الرجل بهدوء:
“اتأخرت.”
اقترب ياسين ببطء.
وحين لمس كتفه…
التفت الرجل.
كان هو.
لكن أقدم. أرهق. وعيناه غارقتان في سواد عميق.
همس النسخة القديمة:
“كل واحد بينتقل هنا بياخد مكان اللي قبله.
وأنا استنيتك كتير.”
فجأة شعر ياسين بثقل هائل في جسده.
ركبتيه لم تعودا تقويان على الوقوف.
الغرفة بدأت تتلاشى… كأنها تسحب الحياة منه.
صرخ: “إنت عايز إيه؟!”
ابتسمت النسخة بمرارة:
“الخروج.”
—
استيقظ ياسين في المصعد.
الأضواء طبيعية.
لا يوجد زر رقم صفر.
عاد إلى شقته وهو يرتجف.
أقنع نفسه أنه حلم.
لكن في صباح اليوم التالي…
وجد في جيبه مفتاحًا لم يره من قبل.
مكتوب عليه: 0
وفي المرآة…
لاحظ شيئًا صغيرًا.
خيط رفيع من الشعر الأبيض… فوق صدغه.
—
في تلك الليلة،
ضغط زر المصعد وحده.
وظهر الزر الأسود مرة أخرى.
هذه المرة…
لم يتردد.
لأن في شقته،
كان هناك شخص يجلس في الظلام.
ينتظره.
ويبدو… أصغر سنًا بقليل.
تمام… كمّلي معايا 😈
الغرفة رقم صفر — النهاية
دخل ياسين شقته ببطء.
الأنوار مطفأة… لكنه لم يكن وحده.
كان هناك شخص جالس على الأريكة.
شاب في أواخر العشرينات، ملامحه مألوفة أكثر مما ينبغي.
رفع الشاب رأسه وابتسم:
“كنت عارف إنك هترجع.”
تراجع ياسين خطوة، صوته خرج مبحوحًا:
“إنت… أنا؟”
هزّ الشاب رأسه:
“لسه.
بس هتبقى.”
قبل أن يتحرك، شعر ياسين بأن الأرض تهتز تحته.
الجدران بدأت تتشقق… لا للخارج، بل للداخل.
كأن الشقة نفسها تطوى على ذاتها.
انفتح باب لم يكن موجودًا من قبل…
باب أسود بلا مقبض.
ظهر المصعد خلفه فجأة.
بابه مفتوح.
والزر رقم 0 يضيء.
قال الشاب الأصغر بهدوء مرعب:
“الدور صفر مش مكان…
ده انتظار.”
اندفع ياسين للخلف، لكن المصعد جذبه بقوة غير مرئية.
الأبواب أُغلقت.
هبط.
هذه المرة، لم يتوقف.
الجدران داخل المصعد تحولت إلى مرايا.
رأى نفسه يكبر بسرعة.
تجاعيد.
شعر أبيض.
عينان مطفأتان.
توقف المصعد أخيرًا.
فتح الباب على الغرفة.
الغرفة رقم صفر.
جلس على الأرض… وهو يلهث.
ذاكرته بدأت تتآكل.
الأسماء تتبخر.
الأصوات تبتعد.
وقبل أن يختفي آخر شيء من وعيه،
انفتح الباب مرة أخرى.
دخل شاب جديد.
مرتبك. خائف.
ينظر حوله بنفس النظرة التي كانت له يومًا.
فتح فمه ليحذّره…
لكن الكلمات لم تخرج.
فهم الحقيقة أخيرًا.
لا أحد يخرج من الغرفة رقم صفر.
كل ما يحدث…
هو استبدال.
وفي أعلى البناية،
وقف ياسين الجديد أمام المرآة في شقته.
لمس وجهه بدهشة…
وهمس مبتسمًا:
“الدور صفر… مش تحت.”
ثم ضغط زر المصعد.
وانتظر.
النهاية. 🖤😈
الغرفة رقم صفر — ما بعد النهاية
بعد أسابيع، بدأ “ياسين الجديد” يشعر بشيء غير طبيعي.
لم تكن مجرد كوابيس… بل فجوات في الوقت.
يستيقظ ويجد نفسه واقفًا أمام المصعد.
يده مرفوعة… كأنه كان سيضغط زرًا.
لكن هذه المرة، لم يظهر زر 0.
بدأ يسمع همسات في الشقة.
ليست من الخارج… بل من الجدران.
وفي إحدى الليالي، الساعة 12:00 تمامًا،
لم يتوقف المصعد.
لم ينطفئ النور.
بل انفتح باب شقته وحده.
لم يكن هناك ممر…
كان هناك مصعد قديم، صدئ، داخل شقته.
والزر 0 مضيء.
لكن هذه المرة،
لم يكن وحده.
خرج منه رجل مسن جدًا… بالكاد يتحرك.
وجهه منهك… وعيناه تحملان سنوات من الرعب.
نظر إليه وقال بصوت مكسور:
“كسرنا القاعدة.”
تجمد ياسين.
“إزاي؟”
أجاب الرجل:
“لما اللي جوه يرفض ياخد مكان حد…
السلسلة بتتشق.”
وفجأة بدأ كل شيء يهتز.
المرايا في الشقة تشققت.
وظهر خلف كل شرخ… ممر أبيض طويل.
آلاف النسخ.
آلاف الأدوار الصفرية.
لم تكن غرفة واحدة.
كانت شبكة.
كل بناية…
كل مصعد…
كل زر مخفي…
كان بابًا.
صرخ الرجل العجوز:
“اقفل عينيك! ما تبصش!”
لكن ياسين نظر.
ورأى شيئًا لم يكن بشرًا.
شيئًا لا شكل له…
يمتد بين الأدوار… يتغذى على التبديل.
فهم الحقيقة الأخيرة:
الغرفة رقم صفر لم تكن مكان انتظار.
كانت مزرعة.
تُربّي نسخًا…
وتحصد الأصل.
بدأت الشقة تنهار، والمصعد يصرخ كأنه حي.
وقبل أن يبتلعهم الفراغ،
أمسك ياسين بالزر الأسود…
وضغطه بقوة.
لكن بدل أن يهبط…
صعد.
صعد فوق العاشر.
فوق السطح.
فوق السماء.
وتوقف.
فتح الباب…
لم يكن هناك شيء.
لا مبنى.
لا أرض.
لا زمن.
فقط ظلام هائل…
وفيه ملايين الأزرار السوداء تطفو.
واحد منها…
يحمل اسمك.
—
ومنذ ذلك اليوم،
أي مصعد تشوف فيه فراغ بين الأزرار…
ما تضغطش.
لأن الدور صفر
مش دايمًا تحت. 🖤😈
الغرفة رقم صفر — الفصل الأخير
وقف ياسين أمام الفراغ الأسود، ملايين الأزرار تطفو حوله.
كل زر يحمل اسمًا.
أسماء ناس عادية… يمكن قابلتهم قبل كده في حياتك.
كان فيه زر بينور أكتر من الباقي.
اسمه.
مدّ إيده ببطء… لكن قبل ما يلمسه، سمع صوت وراه.
“لو ضغطت… هتعرف.”
التفت.
لم يكن رجلًا.
لم يكن شكلًا واضحًا.
كان ظلًا ضخمًا، بلا ملامح، لكن فيه إحساس ثقيل… كأنه عمر الكون كله.
قال الظل:
“كل واحد بيختار.
إما يعيش حياته عادي…
أو يعرف إن كل حياة نسخة من اختيار قديم.”
سأله ياسين بصوت مرتعش:
“وأنا؟”
رد الظل:
“إنت مش أول ياسين.
ولا آخر.”
شعر فجأة بذكريات مش بتاعته.
حيوات مختلفة.
قرارات مختلفة.
نسخ ماتت.
نسخ هربت.
نسخ فضلت في الدور صفر للأبد.
فهم الحقيقة المرعبة:
الغرفة رقم صفر
مش مكان.
ولا مصعد.
هي اللحظة
اللي تختار فيها تشوف الحقيقة…
أو تكمّل في الوهم.
الزر بدأ يومض أسرع.
الظل اقترب وهمس:
“لو ضغطت… هتفتكر كل حاجة.
بس عمرك ما هتعرف تعيش طبيعي تاني.”
صمت.
ثم…
خفض يده.
ابتسم لأول مرة.
وقال بهدوء:
“مش لازم أعرف كل حاجة.”
وفجأة اختفى الفراغ.
واستيقظ ياسين في سريره.
الصبح داخل من الشباك.
المصعد عادي.
مفيش زر 0.
عاش حياته.
لكن أحيانًا…
لما المصعد يتأخر ثانية زيادة،
أو لما يشوف فراغ غريب بين الأزرار…
قلبه يدق أسرع.
لأنه في مكان ما…
في واقع تاني…
في نسخة تانية منه
ضغط الزر.
والدور صفر
لسه مفتوح.
النهاية الحقيقية. 🖤😈
النهاية
خفض ياسين يده قبل أن يلمس الزر.
اختار أن ينسى.
استيقظ في سريره مع ضوء الصباح، كل شيء طبيعي… المصعد بلا فراغ، الأزرار كاملة. عاش حياته كما ينبغي، بلا كوابيس، بلا أسئلة.
لكن في كل مرة يتأخر المصعد ثانية إضافية،
كان قلبه يخفق.
لأنه يعرف—في واقعٍ آخر—
أنه ضغط الزر.
وأن الغرفة رقم صفر
ما زالت تنتظر. 🖤