حين سقطت السماء
حين سقطت السماء

لم يكن “آدم” جنديًا لأنه يحب الحرب.
كان جنديًا لأنه لم يجد خيارًا آخر.
في الليلة التي سقطت فيها أول قذيفة على مدينته، كان يجلس على سطح المنزل مع أخته الصغيرة “ليلى”، يعدّان النجوم.
قالت له ضاحكة:
“لو وقعت نجمة، اطلب أمنية.”
سقطت قذيفة بدلًا من نجمة.
وتحوّل نصف الحي إلى نار.
في الصباح التالي، كان آدم يرتدي زيًا عسكريًا أكبر من مقاسه، وبندقية أثقل من عمره.
1
الجبهة لم تكن كما تخيلها.
لم تكن بطولات وصيحات.
كانت طينًا، بردًا، ووجوهًا شاحبة.
تعرف هناك على “سليم”، شاب يدرس الأدب قبل أن يُستدعى.
كان يحتفظ بدفتر صغير في جيبه، يكتب فيه كل ليلة.
سأله آدم:
“بتكتب إيه؟”
ابتسم سليم:
“بحاول أفتكر إننا بشر.”
ضحك آدم وقتها… لكنه لم يفهم الجملة إلا بعد أسابيع.
2
الهجوم جاء عند الفجر.
السماء لم تسقط مرة واحدة…
بل ظلت تسقط لساعات.
أصوات الانفجارات تمزق الهواء.
الأرض ترتجف.
الصرخات تختلط بالدخان.
رأى آدم صديقه الأول يسقط.
لم يكن هناك وقت للحزن.
كان هناك فقط وقت للبقاء.
اختبأ خلف جدار مهدّم، ويده ترتجف على الزناد.
لم يكن يرى “عدوًا”…
كان يرى ظلًا يتحرك وسط الغبار.
ضغط الزناد.
توقف الظل.
وعندما هدأ كل شيء…
اقترب بحذر.
كان شابًا في عمره تقريبًا.
عيناه مفتوحتان بدهشة، كأنه لم يصدق أن الموت جاء بهذه السرعة.
في جيبه… صورة لطفلة صغيرة.
تجمّد آدم.
تذكّر ليلى.
في تلك اللحظة، فهم أن الطرف الآخر لم يكن وحشًا.
كان مجرد شخص يحاول النجاة أيضًا.
3
الأيام أصبحت متشابهة.
أكل بارد.
ماء قليل.
رسائل لا تصل.
ذات مساء، جلس سليم بجانبه وقال:
“لو خرجنا من هنا… إيه أول حاجة هتعملها؟”
أجاب آدم بعد صمت:
“هأرجع أعدّ النجوم.”
ابتسم سليم.
“وأنا هكتب عنهم.”
لكن في الهجوم التالي…
لم يعد سليم.
وجد آدم دفتَره ملطخًا بالتراب والدم.
فتح آخر صفحة.
كانت مكتوبة بخط متسرع:
“الحرب مش بس بتاخد الأرواح…
بتاخد النسخة اللي كناها قبلها.”
أغلق الدفتر.
وشعر أن شيئًا داخله انكسر للأبد.
4
عندما انتهت الحرب، لم يشعر أحد بالنصر.
عاد آدم إلى مدينته.
نصفها اختفى.
البيوت صارت فجوات سوداء.
وجد ليلى أكبر قليلًا… وصامتة أكثر.
في تلك الليلة، صعد إلى السطح وحده.
لم تكن هناك أضواء مدينة لتحجب السماء.
النجوم بدت أوضح من أي وقت مضى.
جلس طويلًا…
ينظر إليها.
لم يتمنَّ شيئًا هذه المرة.
لأنه عرف أن الأمنيات لا توقف القذائف.
ولا تعيد من رحلوا.
لكن وهو يحدق في السماء،
شعر بشيء بسيط جدًا…
سلام صغير.
ليس لأن الألم انتهى.
بل لأنه قرر أن يعيش رغم كل شيء.
رفع رأسه وهمس:
“أنا لسه هنا.”
والنجوم…
لم تسقط هذه المرة. 🤍
حين سقطت السماء — الجزء الثاني
5
عاد آدم إلى الحياة… أو حاول.
الناس في المدينة كانوا يتحركون ببطء، كأنهم يخافون من صوت مرتفع قد يعيد كل شيء.
المحال فتحت نصف أبوابها.
الوجوه تبتسم بحذر.
لكن داخل آدم…
لم يكن هناك هدوء.
في الليل، كان يستيقظ على صوت انفجار غير موجود.
يتحسس الأرض تحت سريره ليتأكد أنها لا تهتز.
يتنفس بصعوبة… كأنه ما زال تحت الركام.
ليلى كانت تراقبه بصمت.
ذات مرة قالت له:
“إنت رجعت… بس مش زي الأول.”
لم يجد ردًا.
لأنها كانت محقة.
6
بدأ يعمل في إعادة بناء البيوت المهدّمة.
يحمل الطوب بدل السلاح.
يسمع صوت المطرقة بدل الرصاص.
في أحد الأيام، بينما كانوا يزيلون أنقاض منزل قديم، وجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا مدفونًا تحت الركام.
فتحه.
كان داخله صور قديمة، ورسائل، ودفتر.
دفتر آخر.
تردد قبل أن يفتحه.
في الصفحة الأولى، اسم…
نفس اسم الشاب الذي أطلق عليه النار في الجبهة.
تسارعت أنفاسه.
قرأ أول سطر:
“لو رجعت من الحرب، أول حاجة هعملها إني أزرع شجرة قدام البيت.”
شعر كأن الأرض تميل تحته.
كان هذا بيت ذلك الشاب.
البيت الذي دُمّر في القصف.
لم يكن “العدو” مجرد وجه في ساحة معركة.
كان صاحب هذا الركام.
صاحب هذا الحلم الصغير.
جلس آدم على حجر مكسور، والدفتر بين يديه، وشعر بثقل لم يعرفه من قبل.
7
في اليوم التالي، عاد وحده إلى المكان.
حفر بيديه في التراب الصلب.
زرع شجرة صغيرة… وجدها في مشتل قريب.
ثبتها جيدًا، وسقاها.
وقف أمامها طويلًا.
لم يكن هذا اعتذارًا.
لا شيء يمكنه محو ما حدث.
لكن كان محاولة.
محاولة لخلق شيء حي… مكان شيء مات.
8
مرت الشهور.
الشجرة كبرت قليلًا.
والمدينة بدأت تستعيد صوتها.
في إحدى الليالي، صعد آدم وليلى إلى السطح مجددًا.
قالت له وهي تنظر للسماء:
“فاكر لما قلتلي لو وقعت نجمة نطلب أمنية؟”
هز رأسه.
سقط نجم بعيد، خط ضوء سريع عبر الظلام.
نظرت إليه تنتظر.
ابتسم بخفة… لأول مرة منذ زمن طويل.
قال:
“مش هطلب حاجة.
هحاول أعملها بإيدي.”
وضعت يدها في يده.
لم تنتهِ الحرب داخله بالكامل.
ربما لن تنتهي أبدًا.
لكن بين الشجرة الصغيرة…
والنجوم التي لم تسقط…
بدأ شيء جديد ينمو.
ليس نسيانًا.
بل شجاعة أن يعيش رغم الذاكرة.
—
الحرب سقطت من السماء مرة.
لكن السلام…
ينبت ببطء من الأرض. 🤍
تمام 🤍
لسه في حكاية ما خلصتش…
حين سقطت السماء — الجزء الأخير
9
بعد عام، صارت الشجرة أطول من ليلى.
كان الناس يمرّون بجانبها دون أن يعرفوا قصتها.
لكن آدم كان يعرف.
كلما رآها، تذكّر الشاب الذي لم يعرف اسمه كاملًا.
تذكّر الدفتر.
وتذكّر اللحظة التي ضغط فيها الزناد.
لم يعد يهرب من الذكرى.
صار يقف أمامها.
10
في أحد الأيام، جاءت امرأة مسنّة إلى المكان.
وقفت أمام الشجرة طويلًا.
سألته:
“إنت اللي زرعتها؟”
أومأ.
قالت بصوت متعب:
“كان نفسي ابني يزرع شجرة هنا لما يرجع.”
تجمّد قلبه.
لم يسأل.
لم يحتج.
فهم.
نظرت إلى الشجرة وربتت على جذعها برفق.
“كان بيحب الزراعة… كان بيقول إن الأرض بتسامح.”
شعر آدم أن الكلمات تخترقه.
أراد أن يعترف.
أن يقول لها كل شيء.
لكنها ابتسمت فجأة، وقالت:
“شكرًا إنك خلت حلمه يعيش.”
ورحلت.
ظل واقفًا مكانه طويلًا، ويداه ترتجفان.
لم تمنحه الحرب فرصة ليختار من يموت.
لكن الحياة منحته فرصة ليختار ماذا يفعل بعد ذلك.
11
في المساء، صعد إلى السطح مرة أخرى.
المدينة لم تعد صامتة.
هناك أصوات ضحك بعيدة.
موسيقى خفيفة من بيت مجاور.
النجوم فوقه كما كانت دائمًا.
قال بصوت منخفض:
“أنا آسف.”
لم يكن يعرف لمن يوجّهها.
للشاب؟
لأمه؟
لنفسه القديمة؟
ربما للجميع.
شعر بليلى تجلس بجانبه.
قالت:
“السماء ما وقعتش النهارده.”
ابتسم.
“ولا هتقع تاني.”
لم يكن متأكدًا من ذلك.
العالم دائمًا قابل للانكسار.
لكن بين يديه الآن طوب بدل بندقية.
وبجوار بيته شجرة تكبر كل يوم.
والسماء…
ليست آمنة دائمًا.
لكنها لم تعد تسقط وحدها.
حاضر 🤍
دي نهاية أقوى… أعمق… وتوجع أكتر.
حين سقطت السماء — النهاية الحقيقية
في ليلة هادئة، بعد عامين من انتهاء الحرب، هبّت عاصفة مفاجئة.
الريح كانت عنيفة…
والسماء أظلمت فجأة كما أظلمت يوم القصف الأول.
آدم خرج مسرعًا نحو الشجرة.
كانت تميل تحت ضغط الريح.
أمسك بها بكل قوته.
التراب يتطاير.
المطر يضرب وجهه.
صرخ، لا يعرف لمن:
“مش تاني… مش هسيب حاجة تقع تاني!”
لكن جذورها لم تكن عميقة بما يكفي.
انكسرت.
سقطت أمامه.
ركع على الأرض المبتلة، يحدّق في الجذع المكسور.
شعر بنفس الإحساس القديم…
العجز.
الخسارة.
السماء وهي تسقط.
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك انفجار.
فقط ريح.
ومطر.
وشجرة تحتاج أن تُزرع من جديد.
في الصباح، عاد ومعه مجرفة.
لم يحاول إصلاحها.
اقتلعها برفق.
وحفر أعمق.
أعمق مما حفر أول مرة.
زرع شجرة جديدة.
ثبتها جيدًا.
ثم جلس أمامها طويلًا، وابتسم ابتسامة هادئة لم يعرفها من قبل.
فهم أخيرًا.
الحرب لا تنتهي بزرع شجرة.
ولا السلام يُولد مرة واحدة.
بعض الأشياء ستسقط دائمًا.
والقوة ليست في منع السقوط…
بل في أن تزرع من جديد كل مرة.
نظر إلى السماء.
لم تكن تسقط.
كانت فقط… سماء.
وهذه المرة،
لم يعد يخاف منها.
النهاية. 🌫️🌿🤍