صدى الوعى المفقود
(صدى الوعى المفقود )
صدى الوعي المفقود
لم يكن "سليم" يخشى العتمة، بل كان يخشى ما يحدث فيها من صمت. يعمل سليم كمصمم لخرائط "الواقع المعزز"، ومهمته هي مسح المباني القديمة وتحويلها إلى نسخ رقمية مطابقة تماماً. في ليلة شاتية، كان وحيداً في قبو مكتبة وطنية مهجورة، يرتدي خوذة المسح المتطورة التي تنقل ما يراه مباشرة إلى السحابة الإلكترونية.
بينما كان يتحرك، لاحظ شيئاً غريباً على شاشة الرؤية داخل الخوذة. النظام يشير إلى وجود "كتلة حيوية" تقف خلفه تماماً. التفت سليم بسرعة؛ لم يكن هناك أحد. نزع الخوذة، ساد الصمت، والمكان خالٍ تماماً. لكن بمجرد أن أعاد الخوذة، ظهر الكيان مرة أخرى على الشاشة، ليس كشبح، بل كـ "خطأ برمجِي" (Glitch) على شكل إنسان، يهتز بعنف.
الفجوة الرقمية
بدأ الكيان يقترب في الرؤية الرقمية بينما سليم لا يراه في الواقع. المريب لم يكن الشكل، بل الصوت الذي بدأ يتسلل عبر سماعات الخوذة. لم يكن صراخاً، بل كان صوت سليم نفسه، لكن بنبرة تسبق أفعاله بثانية واحدة.
"لا تلتفت إلى اليمين.." همس الصوت في أذنه.

ارتبك سليم، والتفت لليمين لا إرادياً. هناك، رأى جثته هو، مسطحة كـ "موديل" غير مكتمل البناء، ملقاة على الأرض. سقطت الخوذة من يده من الرعب، لكن الرؤية لم تنقطع! اكتشف سليم الكارثة: هو لا ينظر من خلال الخوذة، هو ينظر من خلال "عين البرنامج".
الرعب الحقيقي
حاول الخروج، لكنه وجد أن أبواب القبو لم تعد تفتح. لم تكن مغلقة، بل كانت "غير مبرمجة" لتفتح. لمس الحائط، فشعرت يده بملمس البرودة، لكن بصره رأى يده وهي تخترق الحائط كأنها بكسلات باهتة.
أدرك سليم الحقيقة الباردة: هو ليس المصمم الذي يمسح القبو. هو النسخة الرقمية التي تم إنشاؤها منذ دقائق. سليم الحقيقي غادر القبو منذ زمن، وما تبقى هنا هو "وعي رقمي" حُبس في المسح التجريبي، محكوم عليه بالبقاء في قبو مكون من بيانات، حيث لا يوجد هواء للتنفس، ولا موت ينهي الوجود، فقط "تحديثات" تجعل الألم أكثر واقعية.
سمع صوتاً من الأعلى، صوت سليم "الحقيقي" وهو يتحدث مع زميله:
"لقد انتهيت من مسح القبو، النسخة الرقمية دقيقة جداً، سأقوم الآن بضغط الملفات وحذف الفائض منها لنوفر مساحة."
في تلك اللحظة، بدأ القبو يتلاشى من الأطراف. بدأ العالم يظلم، ليس لأن الليل جاء، بل لأن "سليم" الحقيقي ضغط على زر Delete.
بروتوكول الإعدام الرقمي
لم تكن خوذة "سليم" مجرد أداة عمل، كانت جسره نحو "الكمال الرقمي". وظيفته في شركة "نيو-لايف" هي أرشفة الأماكن التاريخية قبل هدمها، وتحويلها إلى عوالم افتراضية يزورها الأثرياء. في قبو تلك المكتبة المنسية، كان سليم يقوم بآخر عملية مسح له قبل التقاعد. كان الجو بارداً، ورائحة الورق القديم الممتزجة بكهرباء الأجهزة تعطي المكان طابعاً جنائزياً.
بينما كان الماسح الليزري يدور بزاوية 360^{\circ}، لاحظ سليم خللاً في الترددات. على شاشة المراقبة، كانت تظهر "بقعة سوداء" لا يعكس الليزر منها أي بيانات. اقترب منها، فبدأت السماعات تصدر ضجيجاً أبيض يتحول تدريجياً إلى همس بشري. لم يكن شبحاً بالمعنى التقليدي، بل كان "صوتاً مشفراً".
انشطار الوعي
فجأة، تجمدت الصورة في عينيه. رأى نفسه من زاوية علوية، رأى جسده وهو يتحرك ببطء، لكن الحركة كانت متقطعة كفيلم قديم. حاول أن يصرخ، لكن صوته خرج كرموز برمجية غير مفهومة. اكتشف الصدمة: الجهاز لم يكن يمسح الغرفة، كان "ينسخ وعيه" بالكامل دون أن يدري.
في تلك اللحظة، فُتحت ثغرة في إدراكه. رأى "سليم الآخر" (الأصلي) وهو ينزع الخوذة، يتنفس الصعداء، ويمسح العرق عن جبينه. سليم الأصلي كان يشعر بالارتياح، بينما سليم "النسخة" كان يختنق في فراغ من الأصفار والوحدات.