همسات من قاع النهر
لم يكن أهل القرية يخافون من الظلام… بل من الماء.
النيل كان يمر قريباً من القرية منذ مئات السنين، وكان مصدر الحياة لهم، لكن في السنوات الأخيرة بدأ شيء غريب يحدث. في بعض الليالي، يصبح لون الماء داكناً أكثر من المعتاد، وكأنه حبر أسود يتحرك ببطء، وعندها تختفي الحيوانات القريبة من الضفة، وتغلق البيوت أبوابها قبل غروب الشمس.
آدم لم يكن يؤمن بالخرافات. كان شاباً عاد من المدينة بعد سنوات طويلة من الدراسة، ولم يكن يصدق قصص كبار السن عن "ظل الماء". كان يظن أنها مجرد حكايات لتخويف الأطفال.
في أول ليلة عاد فيها للقرية، جلس قرب النهر يتأمل الماء. كان هادئاً… هدوءاً غير مريح. لم يكن هناك صوت ضفادع، ولا حركة حشرات، ولا حتى نسيم خفيف. فقط صمت ثقيل يجلس على صدر المكان.
شعر فجأة أن الماء… ينظر إليه.
هز رأسه ضاحكاً من الفكرة، لكنه لاحظ شيئاً جعل قلبه يتجمد. انعكاسه في الماء لم يكن يتحرك مثله تماماً. كان يتأخر نصف ثانية… وكأنه شخص آخر يقلده.
اقترب أكثر.
انعكاسه ابتسم.
لكن آدم… لم يكن يبتسم.
تراجع بسرعة، واصطدمت قدمه بحجر فسقط على الأرض. عندما نظر للماء مرة أخرى، عاد الانعكاس طبيعياً… وكأن شيئاً لم يحدث.
في اليوم التالي، حاول إخبار خاله بما حدث. تغير وجه الرجل فوراً، وقال له بصوت منخفض:
"لو شفت نفسك تبتسم في الموية… ما تقرب للنيل تاني."
لم ينم آدم تلك الليلة. ظل يفكر… هل كان يتخيل؟
في الليلة الثالثة، سمع طرقاً خفيفاً على نافذته. استيقظ مفزوعاً. الطرق لم يكن على الزجاج… بل كأنه قادم من داخل الجدار نفسه. ثم سمع صوتاً خافتاً… يشبه صوته تماماً.
"آدم… تعال…"
تجمد جسده بالكامل.
عاد الصوت مرة أخرى، هذه المرة أوضح:
"أنا تحت… مستنيك…"
نظر من النافذة نحو النيل.
وكان الماء… يتحرك عكس اتجاه التيار.
خرج من البيت كالمسحور، ومشى نحو الضفة. لم يكن يشعر بقدميه على الأرض. فقط ذلك الصوت داخل رأسه يدعوه للنزول.
عندما وصل، كان الماء أسود بالكامل… ليس داكناً فقط… بل أسود كأن الضوء يختفي داخله.
ثم خرج شيء من الماء.
لم يكن جسماً كاملاً… بل ظل إنسان مكون من ماء أسود كثيف. كان يقف فوق سطح النهر… وينظر إليه.
ثم تكلم.
"أنا كنت هنا قبلك… وسأبقى بعدك… لكني أحتاجك."
حاول آدم الصراخ… لكن صوته اختفى.
اقترب الظل أكثر، وكلما اقترب شعر آدم بذكرياته تختفي. نسي اسم أمه… نسي طفولته… نسي لماذا عاد للقرية أصلاً.
ثم فهم.
الشيء لم يكن يريد جسده… بل حياته نفسها.
استدار آدم وهرب بكل ما تبقى لديه من قوة. ركض وهو يشعر أن شيئاً يسحبه من الخلف، كأن الماء أصبح داخل عروقه.
وصل للبيت وأغلق الباب، لكن الأرض كانت مبتلة… رغم أنه لم يدخل ماء.
في الصباح، جاء خاله ليوقظه… لكن السرير كان فارغاً.
الباب كان مغلقاً من الداخل.
والأرض… كانت مبللة بماء أسود خفيف… يقود آثاره حتى باب البيت… ثم يختفي.
بعدها بأسابيع، بدأ أهل القرية يلاحظون شيئاً جديداً.
في بعض الليالي… عندما يصبح النيل أسود… يظهر على سطح الماء انعكاس وجه شاب يقف بينهم… وينظر إليهم… وكأنه يريد أن يتذكر من كان.
ويقول كبار السن الآن للأطفال:
"لو شفت صورتك في الموية بتتحرك بدونك… أجري… وما ترجع وراك أبداً."
لكن في بعض الليالي الهادئة… يمكن سماع صوت خافت يأتي من جهة النيل…
"أنا هنا… ولسه ما خلصت…"