"صدى الأنفاس الثالثة: حين يرفض الظل أن يتبعك"

"صدى الأنفاس الثالثة: حين يرفض الظل أن يتبعك"

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

“صدى الأنفاس الثالثة: حين يرفض الظل أن يتبعك”

image about

 

قصة رعب (صدى الأنفاس الثالثة)

لم يكن آدم يؤمن بالخرافات، كان يرى أن الخوف مجرد كيمياء تفرزها الغدة الكظرية حين يعجز العقل عن تفسير المجهول. لكن شقته الجديدة في الطابق التاسع من بناية "توفيق" القديمة، بدأت تخلخل هذا الإيمان بيقين مرعب.

​بدأ الأمر بتفاصيل تافهة؛ خيالات تمر بطرف عينه أثناء القراءة، أو صوت وقع أقدام خفيفة في الرواق حين يتوجه للنوم. لكن التحول الحقيقي بدأ أمام مرآة الحمام الكبيرة ذات الإطار النحاسي الصدئ. في البداية، لاحظ آدم تأخرًا بسيطًا جدًا، جزء من الملي ثانية، بين حركته وحركة انعكاسه. كان يبتسم، فيشعر أن الانعكاس يبتسم بعده بلحظة لا تُدرك إلا بالحس السادس.

​في ليلة الجمعة، وبينما كان يغسل وجهه بالماء البارد، رفع رأسه لينظر للمرآة. تجمدت الدماء في عروقه؛ كان "آدم" الذي في المرآة لا يزال يغسل وجهه والماء يقطر من لحيته، بينما آدم الحقيقي كان قد انتصب واقفًا بالفعل! صرخ آدم وتراجع للخلف، ليرى انعكاسه يرفع رأسه ببطء شديد، وعيناه تلمعان ببريق غير بشري، وابتسامة تتسع على وجهه بشكل يفوق القدرة التشريحية لفك الإنسان.

​هرب آدم إلى غرفته وأغلق الباب، وظل يرتجف حتى الصباح. حاول إقناع نفسه بأنه الإرهاق، لكن في الليلة التالية، حدث ما هو أدهى. كان يجلس في الصالة يشاهد التلفاز، وفجأة انطفأت الأنوار. في الظلام الدامس، سمع صوت أنفاس خلف أذنه اليمنى. كانت أنفاسًا ثقيلة، رطبة، ورائحتها تشبه رائحة الورق القديم العفن.

​أخرج هاتفه وأشعل الكشاف، ليوجهه نحو مصدر الصوت. لم يجد أحدًا، لكنه رأى شيئًا جعل قلبه يتوقف عن النبض لثوانٍ: ظله على الحائط لم يكن يتحرك معه. كان الظل واقفًا في وضعية الهجوم، يديه ممدودتان نحو رقبة آدم، بينما كان آدم نفسه متجمدًا من الرعب. فجأة، شعر بيد باردة كالثلج تمسك بكاحله من تحت الأريكة.

​سحب آدم قدمه بصرخة مكتومة وركض نحو الباب، لكن المقبض لم يتحرك، وكأن القفل قد ذاب داخل الباب. التفت ليجد "نسخته" تخرج من ممر الحمام ببطء، كانت النسخة باهتة، بلا ألوان، وعيناها مجرد تجاويف سوداء عميقة. قالت النسخة بصوت هو صدى مشوه لصوت آدم: “لماذا تهرب؟ أنا أنت.. لكن النسخة التي قررت أن تعيش في النور، بينما تركتني أصمت في الزجاج لسنوات.”

​اقتربت النسخة منه، وشعر آدم ببرودة شديدة تغزو جسده، وبدأ يشعر أن ملامحه تذوب، بينما بدأت النسخة تكتسب ألوانًا وحياة. سقط آدم على الأرض، وفي اللحظة التي لمست فيها النسخة جبهته، شعر وكأنه يُسحب داخل نفق مظلم وضيق.

​في الصباح، استيقظ "آدم" في الشقة. صنع قهوته، لبس ثيابه، ونظر في المرآة وابتسم برضا. كان يبدو حيًا أكثر من أي وقت مضى. أما في عمق المرآة، خلف الزجاج البارد، كان هناك طيف باهت يصرخ بلا صوت، يطرق على الزجاج بقبضات واهنة، محبوسًا في عالم من الصمت الأبدي، يراقب "نفسه" وهي تخرج من باب الشقة لتمارس حياته التي لم تعد ملكه.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
عمرو خالد تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-