الاستقلال النقدي في العصر الأموي: من التبعية البيزنطية إلى الهوية العربية
الاستقلال النقدي في العصر الأموي: من التبعية البيزنطية إلى الهوية العربية

المقدمة
تمثل النقود في التاريخ السياسي رمزاً للسيادة وعنواناً لاستقلال الدولة وقوة اقتصادها. وفي بدايات الدولة الإسلامية، تعامل المسلمون بالنقود السائدة آنذاك من دنانير ذهبية بيزنطية ودراهم فضية كسروية، مع محاولات خجولة للتعديل عليها. إلا أن التحول الجذري والقرار التاريخي بتعريب النقود لم ينضج إلا في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. تتناول هذه المقالة قصة الإصلاح النقدي الإسلامي، مستعرضةً الدوافع السياسية والاقتصادية والدينية التي أدت إلى صك أول دينار عربي خالص، وكيف تحولت العملة من أداة للتبادل التجاري إلى سلاح في وجه التحديات الخارجية.
بدأت الإرهاصات الأولى لإصلاح النقود العربية في وقت مبكر جداً، وتحديداً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 17 هجرية. قام الفاروق بضرب الدراهم على نقش وشكل الدراهم الكسروية الساسانية، كما ضرب الفلوس البرونزية على الطراز البيزنطي، في محاولة أولية لإضفاء طابع إداري إسلامي على العملات المتداولة. تبعته محاولات معاوية بن أبي سفيان الذي ضرب دراهم وفلوساً حملت اسمه أو صورته، لتكون دليلاً مادياً وصل إلينا يعكس بدايات ظهور الشخصية الإسلامية على العملة قبل استقلالها التام.
بعد عهد معاوية، مرت الخلافة الأموية بفترة انتقالية شملت ثلاثة خلفاء لم تشهد عهودهم بصمات بارزة في ميدان الإصلاح النقدي، حتى تولى عبد الملك بن مروان الحكم في عام 65 هـ. استطاع عبد الملك بحنكته السياسية والعسكرية تحطيم الحركات المناهضة لسلطانه وتوحيد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة. شهد عصره ظاهرة جديدة تمثلت في صبغ الدولة بصبغة قومية عربية شملت الدواوين والإدارة والمال، مما جعل ضرب نقود عربية ضرورة ملحة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي المنشود.
يجمع المؤرخون العرب على نسبة الطراز العربي للنقود إلى عبد الملك بن مروان، لكنهم يختلفون في الدافع المباشر الذي جعله يتخلى عن النقود البيزنطية. تروي المصادر العربية قصة مشهورة تتعلق بأوراق البردي المصدرة من مصر إلى بيزنطة، والتي كانت تحمل شعارات العقيدة المسيحية. بادر عبد الملك باستبدالها بشهادة التوحيد "شهد الله أنه لا إله إلا هو"، مما أثار غضب الإمبراطور البيزنطي جستنيان الثاني الذي هدد بنقش عبارات تسيء للرسول ﷺ على الدنانير المتداولة في بلاد المسلمين.
كان تهديد الإمبراطور البيزنطي بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الإصلاح النقدي الشامل، حيث استشار عبد الملك أهل الرأي من المسلمين، فأشاروا عليه بضرب نقود عربية خالصة تحمل شهادة التوحيد والرسالة المحمدية. اعتبر هذا القرار أبلغ رد سياسي وسيادي على التحدي البيزنطي، لكن المحللين يرون أن هذه القصة -رغم أهميتها- تعطي تفسيراً عاطفياً لحدث اقتصادي وتاريخي ضخم، ولا تمدنا إلا بمساعدة ضئيلة في فهم الأسباب الجوهرية والتقنية لعملية الإصلاح النقدي العميقة.
من الناحية التاريخية الموثقة، نشأ نزاع بين عبد الملك والدولة البيزنطية حول معاهدة وُقعت سنة 67 هـ تقضي بهدنة مدتها عشر سنوات مقابل أتاوة سنوية يدفعها المسلمون قدرها ألف دينار ذهبي. يبرز هنا تساؤل جوهري حول نوع النقود التي كانت تُدفع بها هذه الأتاوة، خاصة وأن عبد الملك وجد منذ اعتلائه العرش أن النقود الإسلامية (الفلوس) تُضرب بصور الأباطرة البيزنطيين وشعاراتهم المسيحية، مع وجود بعض الكتابات العربية البسيطة التي لم تكن كافية لإثبات الهوية.
اقتضت الحكمة الإدارية العربية في البداية التدرج في التغيير وعدم الصدام المفاجئ مع النظم الاقتصادية المستقرة وشعور الشعوب. سار عبد الملك في البداية على نهج من سبقه، فضرب الدنانير الذهبية على طراز النقود النحاسية البيزنطية لهرقل وابنيه، وهي العملات التي كانت تُصك في دار الضرب بالإسكندرية. كان هذا التوجه يعكس مرحلة انتقالية واعية، تهدف إلى جس نبض السوق وضمان قبول العملة الجديدة قبل الانتقال إلى الخطوة الحاسمة نحو الاستقلال التام.
لم يلبث عبد الملك أن اتخذ الخطوة الجريئة لتطوير النقود الإسلامية وتخليصها من التبعية الفنية لبيزنطة، فقام باستبدال صورة هرقل وولديه بصورته الشخصية وهو يحمل سيفه، فيما عُرف تاريخياً بطراز "الخليفة الواقف". أصبح وجه الدينار يحمل صورة الخليفة، بينما نُقش على الظهر كتابة هامشية توثق تاريخ الضرب: "باسم الله ضرب هذا الدينار سنة ست وسبعين" (أو سبع وسبعين)، لتكون هذه العملة هي الجسر الذي عبرت منه الدولة الأموية نحو النقود العربية الخالصة.
انتهت رحلة الإصلاح النقدي بالوصول إلى الطراز الإسلامي المحض الذي خلا تماماً من الصور والرسوم البشرية، واستعيض عنها بآيات قرآنية وعبارات التوحيد بالخط الكوفي. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الشكل، بل كان إعلاناً عن استقلال مالي كامل للدولة الإسلامية، وقطعاً لآخر حبال التبعية الاقتصادية للإمبراطوريات القديمة، مما ساهم في استقرار الأسعار وتوحيد النظام المالي في كافة أرجاء الخلافة المترامية الأطراف.
الخاتمة
إن إصلاحات عبد الملك بن مروان النقدية لم تكن مجرد رد فعل على استفزاز بيزنطي، بل كانت رؤية استراتيجية لبناء دولة مؤسسات قوية. فبتحويل العملة إلى لسان عربي ناطق بالتوحيد، استطاع عبد الملك أن يوحد الوجدان الشعبي خلف هوية اقتصادية موحدة، وفرض احترام العملة الإسلامية في الأسواق العالمية لقرون طويلة. لقد أثبت التاريخ أن "الدينار الأموي" كان حجر الزاوية في استقرار الدولة ونموها، وبرهاناً على أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بالسيادة المالية.
التوصيات
تعزيز الوعي التاريخي: إدراج قصة تعريب النقود في المناهج التعليمية كنموذج للسيادة الوطنية والإصلاح الاقتصادي الناجح.
دعم المتاحف الرقمية: إنشاء منصات إلكترونية تعرض صوراً عالية الدقة للمراحل الانتقالية للعملة الأموية (الكسروية، البيزنطية، طراز الخليفة الواقف، والطراز الإسلامي المحض).
البحث العلمي الأثري: تشجيع الدراسات التي تربط بين المواقع الأثرية لدور الصك القديمة وبين التحليلات الكيميائية للمعادن المستخدمة في الدنانير الأموية لفهم القوة الشرائية آنذاك.
الاستلهام الاقتصادي: دراسة فلسفة عبد الملك في "التدرج" عند تغيير الأنظمة المالية الكبرى، وكيفية موازنة الدولة بين الاستقلال الهوياتي والاستقرار السوقي.