جثة في الظلام ( الفصل الثاني )
الفصل الثاني:
صدى العظام الباردة
لم يكن أحمد يرى في عيني شريف طبيباً محاصراً، بل كان يرى هوةً سحيقة من السواد لا قرار لها. في تلك اللحظة التي تلاقت فيها نظراتهما داخل المختبر، خيّم صمتٌ جنائزي، لم يقطعه سوى طنين جهاز التبريد الذي بدا وكأنه يئن تحت وطأة الأسرار التي يحفظها. شريف لم يرتجف، لم يهرب، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، هادئة، تشبه هدوء المشرحة في الفجر.

"هل جئت لتبحث عن الإجابات يا حضرة الضابط؟ أم جئت لتكون جزءاً من السؤال؟" همس شريف بصوتٍ رخيم، وهو يداعب بمبضعه طرف الطاولة المعدنية، محدثاً صوتاً معدنياً حاداً جعل قشعريرة تسري في جسد أحمد.
تراجع أحمد خطوة، يده تتحسس سلاحه، لكن ثمة ثقل غريب في الهواء منعه من الحركة السريعة. كان المختبر الليلة يفوح برائحة "الفورمالين" الممزوجة بشيء آخر.. رائحة ترابية قديمة، رائحة القبور المفتوحة.
انسحب شريف ببطء نحو الزاوية المعتمة من المختبر، حيث تتراكم برطمانات زجاجية تحتوي على أعضاء بشرية محفوظة. لم يكن ينظر لأحمد كتهديد، بل كعينة تجارب واعدة. “أنت تعتقد أن الموت هو النهاية، يا أحمد. لكن بالنسبة لي، الموت هو المسرح الوحيد الذي يخلع فيه الإنسان قناعه الزائف. هل رأيت يوماً جمال الأوردة وهي تتوقف عن النبض؟ إنها تشبه أغصان شجرة في شتاء أبدي.”
فجأة، انطفأت الأضواء العلوية، وبقي فقط ضوء الطوارئ الخافت الذي يصبغ المكان بلون أحمر قاني. في هذا الضوء، بدا وجه شريف كأنه قناع من الشمع. بدأ يتحدث بلغة غير مفهومة، وكأنه يخاطب الجثث المصطفة خلف الستائر الجلدية. “سارة لم ترحل يا أحمد.. إنها هنا. اسمع.. هل تسمع دقات قلبها في جدار الغرفة؟”
تجمدت الدماء في عروق أحمد. كان يعلم أن شريف فقد عقله، لكن هذا النوع من الجنون كان معدياً. بدأ يسمع بالفعل خربشات خفيفة تأتي من صناديق حفظ الجثث. خربشات أظافر على معدن بارد.

بلمحة بصر، ضغط شريف على رافعة مخفية خلف خزانة الأدوية. انزلق جزء من الجدار ليكشف عن ممر ضيق ينحدر للأسفل، نحو قبو المستشفى المهجور الذي لم تلمسه قدم منذ عقود. “تعال.. أريد أن أريك 'عملي الحقيقي'. ما رأيته في الأعلى كان مجرد مسودات.. هنا، أكتب روايتي الكبرى.”
اندفع أحمد خلفه، مدفوعاً بواجبه وفضوله القاتل. كان القبو عبارة عن متاهة من المواسير الصدئة والجدران الرطبة التي تنضح بمادة لزجة سوداء. في نهاية الممر، كانت هناك غرفة مضاءة بمئات الشموع السوداء. في المنتصف، لم تكن هناك طاولة تشريح، بل كان هناك "عرش" مصنوع بالكامل من عظام بشرية، نُسقت بدقة هندسية مرعبة.
جلس شريف على العرش، واضعاً تاجاً من الأسلاك الطبية الشائكة فوق رأسه. “أنا لست قاتلاً يا أحمد. أنا جامع أرواح. كل جسد أفتحه، أحرر منه قصة حب، أو صرخة ألم، أو سراً دفيناً. هل تعرف ماذا قالت لي تلك الفتاة سارة قبل أن يغادر روحها جسدها؟ قالت إنها كانت تشعر بالوحدة.. لذا أهديتها الرفقة الأبدية.”
أشار شريف بيده نحو الزاوية، ليصعق أحمد برؤية جثة سارة، لكنها لم تكن جثة عادية. كانت قد خضعت لعملية "تجميل" سادية؛ حيث قام شريف بخياطة أجنحة من جلد جثث أخرى على ظهرها، وجعلها تبدو كأنها "ملاك" يسكن الجحيم. عيناها كانت مفتوحتين، ومثبتتين بدبابيس طبية لتظلا في حالة ذهول دائم.
"أنت مريض.. أنت شيطان!" صرخ أحمد وهو يشهر مسدسه، لكن يده كانت ترتجف بشكل غير مسبوق.
ضحك شريف ضحكة هستيرية، ترددت أصداؤها في دهاليز القبو كأنها عويل ألف روح. “الشيطان هو من يترك هذه الأجساد تتعفن في التراب. أنا أمنحها الخلود! أخبرني يا أحمد، ألا تشعر بالفضول لتعرف كيف يبدو شكلك من الداخل؟ هل قلبك كبير بما يكفي ليتحمل الحقيقة التي أحملها؟”
بدأ شريف يقترب من أحمد بخطوات راقصة، ممسكاً بمحقنة تحتوي على سائل أرجواني متوهج. “هذا هو 'مصل الحقيقة الصامتة'. قطرة واحدة، وستتمكن من رؤية الموتى، ستسمع غناء العظام، وستفهم أخيراً لماذا أبتسم دائماً.”
حاول أحمد الضغط على الزناد، لكن المسدس استعصى. نظر إلى يده ليجدها مغطاة بسائل لزج أسود زحف من جدران القبو، وكأن المكان نفسه يحمي سيده. في تلك اللحظة، أدرك أحمد أن المستشفى ليس مجرد بناء، بل هو كيان حي، وشريف هو قلبه النابض بالشر.
انقض شريف على أحمد بسرعة البرق، وبقوة لا تتوفر لبشر عادي. غرس المحقنة في عنق الضابط. شعر أحمد ببرودة جليدية تجتاح جسده، وبدأ العالم من حوله يتلاشى. الألوان بدأت تتداخل، وصوت شريف أصبح يتردد داخل رأسه مباشرة، وليس من أذنيه.
“الآن يا أحمد.. سنبدأ الفصل الثالث معاً. أنت لن تموت.. لا، هذا سيكون سهلاً جداً. ستكون عينيَّ التي أرى بها العالم الخارجي، بينما أستمر أنا في نحت أبديتي هنا.”
سقط أحمد على الأرض، وبينما كان وعيه يغيب، رأى الجثث في الغرفة تبدأ بالتحرك، تخرج من توابيتها المعدنية، وتلتف حول شريف في طقس شيطاني. كانت سارة تقف هناك، بجناحيها الجلديين، تبتسم له بدموع من دم.
في الخارج، كانت الرياح تعوي حول المستشفى المهجور، وكأنها تحاول تحذير المدينة من الوحش الذي توقف عن التظاهر بالبشرية. دكتور شريف لم يعد يرتدي وزرته البيضاء؛ لقد خلع جلده البشري ليظهر ما تحته: فراغ أسود لا يشبع.
انتهى الفصل بصرخة مكتومة لأحمد، تلاها صوت إغلاق باب القبو الثقيل، وعبارة واحدة همس بها شريف في الظلام:
“البقاء للأقوى.. والخلود لمن يجرؤ على تمزيق الستار.”
