الطريق اللي رجعني من الموت
الطريق اللي رجعني من الموت
كنت راجع من سفر طويل، والهواء داخل من شباك العربية بارد زي نفس مقطوع، والليل نازل تقيل على الأرض كأنه بطانية سودة بتخنق كل حاجة حواليها. كنت ماشي ناحية بلدة اسمها “النخيلة”، أول مرة أروحها، عشان أحضر فرح صاحبي “حسام”… أو ده اللي كنت فاكره ساعتها.
الطريق اتغيّر فجأة.
نور اختفى. سكون مرعب ابتدى يزحف حواليا، لا عربية، لا بني آدم، حتى صوت الريح كان خافت كأنه خايف.
بعتله موقعي. قلبي بيدق بسرعة.
رد عليا برسالة قصيرة… بس كانت كفيلة توقف الدم في عروقي:
“ارجع فوراً… المكان ده مش آمن.”
دست فرامل بعنف. صوت احتكاك العجل في الأسفلت كأنه صرخة.
حاولت أبعتله تاني… الشبكة ماتت. الموبايل بقى قطعة بلاستيك مالهاش قيمة.
بغباوة… مدّيت إيدي من الشباك، رفعت الموبايل لفوق. يمكن الشبكة تيجي.
ساعتها… سمعت الصوت.
مش واضح.
مش حيوان معروف.
أقرب لزمجرة مكتومة… فيها جوع.
وقبل ما ألحق أرجع إيدي
هجوم.
حاجة ضربت إيدي بقوة. خربشة؟ عضّة؟ مش فاهم. بس الألم كان مولّع، نار بتجري تحت جلدي، والدم نازل سخن، تقيل. سحبت إيدي بسرعة وقفلت الشباك، وأنفاسي بتتقطع، وقلبي بيدق كأنه عايز يهرب من صدري.
الموبايل وقع برا.
وسبته. أيوه… سبته ومشيت.
حاولت أدور العربية. مرة… اتنين… عشرة.
ولا كأن فيها روح.
الوقت عدى بطيء. ساعات. يمكن أكتر.
الظلام زاد. والخوف بقى ليه صوت… وصدى.
سندت راسي على الدركسيون. كنت خلاص هسلم.
وفجأة
خطوات.
واضحة. تقيلة. جاية من ورا العربية.
مع إن كل حاجة مقفولة… كنت سامعها كأنها جوا دماغي.
خبط على الإزاز.
رفعت عيني… وشوفت راجل.
ملامحه مش واضحة، بس بشرة سمراء، عيونه ثابتة… زيادة عن اللزوم.
نزلت الإزاز حتة صغيرة.
صوته هادي… بلهجة ريفية بسيطة:
“واقف هنا ليه يا ولدي؟”
حكيتله بسرعة. تايه، عربيتي عطلت، رايح فرح.
طلب أفتح الكبوت.
واللي حصل بعدها… مش منطقي.
ثواني.
بس ثواني… والعربية دارت كأنها كانت مستنية لمسة منه.
ابتسم وقال إنه اسمه “مروان”… وعرض يوصلني.
ركب جنبي.
الغريب؟
ماكانش بيبصلي. ولا مرة.
كل ما أسأله، يسكت شوية… وبعدين يرد، كأنه بيترجم الكلام جواه الأول.
مشينا كتير… لحد ما شفت نور.
وصوت… طبول، وزمر، بس بنغمة غريبة، نشاز يخبط في ودنك ويقفل صدرك.
قاللي: “وصلنا.”
نزلت.
الهوا كان تقيل. ليه ريحة تراب قديم… ورطوبة خانقة.
الناس واقفين.
كلهم لابسين نفس اللبس. نفس الشال.
وشوشهم سمراء… مجعّدة… وكلهم رجالة. مفيش ولا ست.
قلبي اتقبض.
بس قلت يمكن دي عادات المكان.
دخل “مروان” وسابني.
وقفت لحظة… وبعدين دخلت وراه.
البيت… فاضي.
قديم. مكسور. كأنه مهجور من سنين.
بس الصوت… الصوت كان طالع من فوق.
طلعت السلم. حجارة مش متساوية، بتتحرك تحت رجلي، وصوتها يصرّ على أعصابي.
كل خطوة كانت بتقرّبني من حاجة… مش عايز أشوفها.
وصلت.
دايرة.
ناس قاعدين… بيغنوا نفس اللحن المرعب.
في النص… “مروان”.
كان مدي ضهره.
أول ما وصلت… لف وشه.
عيونه.
مش بني آدم.
وقبل ما أستوعب
الرقص بدأ.
حركات غريبة. سريعة. مفككة.
والهدوم… بدأت تقع.
اللي شوفته بعدها… مش سهل يتحكي.
أجسام مغطاة بالشعر.
أرجل حيوانات. سودة… تقيلة.
وأصواتهم بقت أعلى… أقرب لعواء.
أنا… ماكنتش وسط بشر.
جريت.
نزلت السلم، اتخبط، وقعت، قمت تاني.
روحت للباب—
اختفى.
مكانه حيطة.
خبطت. صرخت. إيدي بتوجعني، صدري بيحرق، صوتي بيضيع.
لفّيت… لقيت أوضة صغيرة.
دخلت.
وكان فيها… واحد.
جسمه زيهم.
بس راسه… رأس كلب.
وعيونه حمرا… بتلمع في الضلمة.
رجلي تجمدت.
مش قادر أتحرك.
وفجأة… حسيت بحد ورايا.
لفّيت.
“مروان”.
قريب أوي.
ابتسم… وقال بصوت تقيل:
“مبسوط في الفرح؟”
صرخت.
قلتله يبعد. إنه مش إنسان.
ضحك.
ضحكة كسرت المكان.
السقف بدأ يقع. طوب بينزل. الأرض بتهتز.
جريت. أتفادى. أصرخ.
وفجأة
ضربة.
تقيلة. على دماغي.
نور الدنيا طفى.
…
فتحت عيني.
برد.
ريحة تراب… مختلفة.
مقابر.
واحد بيصحيني، بيحط مية على وشي. صوته بعيد:
“قوم… إنت مين؟”
حكيت.
ماصدقنيش.
صحابي جم. قالولي إنهم لقوا عربيتي في مكانها… والموبايل واقع.
بس أنا؟
كنت على بعد كيلومترات… مرمي وسط القبور.
وقالولي حاجة واحدة بس:
“المكان ده… محدش بيروحه. دي أرض مش للبشر.”
ومن يومها…
الصداع مابيسبنيش.
وأوقات… بسمع نفس اللحن… في ودني… بالليل.
دلوقتي بقولكم الحكاية… وإيدي لسه بتوجعني كأن الخربشة حصلت امبارح.
تفتكروا… أنا فعلاً حضرت فرح مش للبشر؟
ولا في حاجة تانية… أنا لسه مش فاهمها؟
