
همسات خلف الباب الأخير
لم يكن "سليم" يؤمن بالخرافات. بالنسبة له، كل قصة رعب سمعها كانت مجرد مبالغة أو خيال مريض. لكن ذلك تغيّر في الليلة التي قرر فيها قضاء أول ليلة داخل المنزل القديم الذي ورثه.
كان المنزل يقع في نهاية شارع مهجور، تحيط به أشجار جافة تصدر أصوات احتكاك مخيفة مع كل هبة ريح. من الخارج، بدا وكأنه لم يُمس منذ عقود. طلاء متقشر، نوافذ مغلقة بإحكام، وباب خشبي ثقيل يحمل آثار خدوش غريبة.
في الداخل، كان الصمت كثيفًا… خانقًا.
بينما كان سليم يتفقد الغرف، لاحظ بابًا مختلفًا عن باقي الأبواب. كان أسود اللون، بلا مقبض، ومغطى بسلسلة صدئة وكأن أحدهم أراد التأكد من أنه لن يُفتح أبدًا. حاول تجاهله في البداية، لكنه لم يستطع. كان هناك شيء يجذبه إليه… شيء غير مرئي.
في منتصف الليل، استيقظ سليم على صوت خافت.
همس.
في البداية ظن أنه يحلم، لكنه سمعه مجددًا. كلمات غير مفهومة، كأنها تُقال من خلف الجدران. تتبع الصوت… حتى وصل إلى الباب الأسود.
تجمّد مكانه.
الصوت كان يأتي من خلفه.
اقترب ببطء، وقلبه ينبض بعنف. وضع أذنه على الباب… فصمتت الهمسات فجأة.
ثم…
طرقة.
خفيفة… لكنها واضحة.
تراجع سليم بسرعة، لكن الطرقة تكررت، هذه المرة أقوى. وكأن شيئًا في الداخل أدرك وجوده.
"افتح…"
كانت الكلمة واضحة هذه المرة.
تجمد الدم في عروقه.
"افتح… أنا هنا منذ وقت طويل…"
حاول إقناع نفسه أن هذا مجرد وهم، لكنه لم يستطع. الصوت لم يكن في رأسه… كان حقيقيًا.
مرّت الأيام، وأصبح الصوت أكثر إلحاحًا. لم يعد مجرد همسات، بل توسلات… ثم تهديدات.
"إذا لم تفتح… سأخرج وحدي."
في الليلة الخامسة، لم يتحمل سليم أكثر. أمسك بأداة حديدية وبدأ يكسر السلسلة. كان يتنفس بصعوبة، ويداه ترتجفان، لكنه استمر.
بمجرد أن سقطت السلسلة، عمّ الصمت.
صمت مطبق.
دفع الباب ببطء… فصدر صرير طويل وكأن المنزل نفسه يصرخ.
الظلام في الداخل كان كثيفًا، غير طبيعي. كأنه ليس مجرد غياب للضوء… بل وجود لشيء آخر.
ثم رأى شيئًا يتحرك.
عينان.
لامعتان… تحدقان به من العمق.
ابتسم الشيء.
ابتسامة غير بشرية.
وقبل أن يتمكن سليم من الهرب، انطفأت الأنوار في المنزل بالكامل… واختفى صوته إلى الأبد.
في اليوم التالي، وُجد الباب مغلقًا من جديد… والسلسلة في مكانها.
لكن هذه المرة…
كان هناك صوت جديد خلفه.
صوت سليم.
يهمس…
"افتح… أرجوك…"ظل الباب مغلقًا، لكن الهمسات لم تتوقف. كل من مرّ بالمنزل سمع الصوت ذاته… نفس الرجاء، نفس الرعب. ومع كل ليلة، كانت السلسلة تهتز ببطء، وكأن شيئًا أقوى ينمو خلفها، ينتظر لحظة ضعفه التالية… ليجد ضحية جديدة، تجرؤ على الاقتراب من الباب.ولم يكن أحد يعلم من التالي في القائمة.