ظل في المرآة المكسورة

ظل في المرآة المكسورة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

 

 

 

ظل في المرآة المكسورة: الفراغ المتربص

​في قلب قرية "أغارتا" المنعزلة، حيث تلتف الغابات الكثيفة حول البيوت كأصابع عملاق خفي، كان يقبع منزل "آل ميرور". لم يكن مجرد بناء متهالك، بل كان جرحاً غائراً في ذاكرة البلدة. تقول الأساطير المحلية إن جدرانه لا تحبس الغبار فحسب، بل تحبس أرواحاً ضلت طريقها إلى العالم الآخر فاستوطنت الزجاج. سارة، المصورة التي كانت ترى العالم من خلال عدسة باردة ومحايدة، لم تؤمن يوماً بما لا يمكن للضوء تفسيره. بالنسبة لها، كان الخوف مجرد "تأثير بصري" لم يتقنه البعض.

​عتبة الجحيم

​في ليلة اكتمل فيها القمر كعين شاحبة تراقب الأرض، سارت سارة نحو المنزل. كان صرير الباب الخشبي الثقيل يشبه استغاثة مكتومة. ما إن خطت قدمها الداخل حتى شعرت ببرودة غير طبيعية، برودة لا تنتمي لفصل الشتاء، بل تنتمي لمكان لم تصله الشمس منذ قرون. رائحة العفن الممزوجة برائحة معدنية تشبه الصدأ والدم ملأت رئتيها. كانت ترفع كاميرتها (Canon EOS 5D Mark IV) كدرع، يمنحها الفلاش ومضات من الأمان المزيّف وسط الظلام الدامس.

​غرفة الانعكاسات المشوهة

​صعدت الدرج الذي كان يئن تحت ثقل طموحها. في الطابق العلوي، انفتحت أمامها غرفة المرايا. كانت الجدران مغطاة بقطع زجاجية متآكلة، بعضها أسود كالفحم وبعضها الآخر مشروخ كخريطة لعالم منهار. نصبت حاملها الثلاثي، وبدأت تضبط بؤرة العدسة على انعكاسها المتعدد. لكن، وسط هذا السكون، حدث خلل في الإدراك؛ في المرآة الكبيرة التي تتوسط الغرفة، لاحظت أن انعكاس يدها التي تضبط الكاميرا كان يتأخر بجزء من الثانية عن حركتها الحقيقية.

​الحقيقة المظلمة

​تجمدت الدماء في عروقها حين رأت خلف انعكاسها ظلاً طويلاً، بلا ملامح واضحة، لكنه يملك حضوراً طاغياً يمتص الضوء من حوله. لم تكن تجرؤ على الالتفات، فخلفها كان الفراغ، لكن أمامها في الزجاج كان الموت يبتسم. ضغطت على زر التصوير غريزياً. انفجر الفلاش الأبيض ليضيء الغرفة لأجزاء من الثانية، وفي تلك اللحظة، رأت وجوهاً محشرة داخل الزجاج، مئات العيون التي تنظر إليها بشوق مرعب.

​عندما نظرت إلى شاشة الكاميرا، لم تجد الغرفة. وجدت صورة لنفسها وهي تصرخ، بينما وجهها في الصورة كان ينفصل عن جلدها ليكشف عن ابتسامة عريضة تتجاوز حدود البشر، وحولها حشد من الظلال يمدون أيديهم من خلف الشاشة وكأنهم يحاولون الخروج من الكاميرا نفسها.

​السقوط في الزجاج

​"لقد اخترتِ الزاوية الخطأ للصورة.." همسٌ بارد لفح أذنها. شعرت بيد خشنة، باردة كالمعدن، تطوق معصمها. حاولت الصراخ، لكن صوتها ارتد إليها من المرايا كصدى مشوه. تحطمت المرآة الكبرى خلفها، وتطايرت الشظايا لتنغرس في الهواء لا في الأرض. سُحبت سارة بقوة هائلة نحو الفراغ القابع داخل الزجاج. وفي الغرفة المهجورة، ساد الصمت مجدداً، ولم يتبقَ سوى الكاميرا ملقاة على الأرضية الخشبية المتعفنة، وشاشتها تومض بصورة سارة، التي أصبحت الآن مجرد انعكاس سجين، ينتظر المصور التالي

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mahmod mahmod تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

0

مقالات مشابة
-