اليوم الذي اكتشفت في القراءة خوف

اليوم الذي اكتشفت فية القراءة
تعطل التلفاز .. كنت في العاشرة من عمري تقريبا وفي تلك اللحظة الحاسمة من حياتي أحسست بالضياع وشعرت أن بصري قد سلب مني لأني لم أكن مثل بقية الأطفال الذين يلعبون الكرة بشغف في الشارع أو يركبون دراجاتهم متنقلين من زقاق لآخر يجمعون من الحياة خبراتهم عن طريق الممارسة والاحتكاك المباشر مع أقرانهم فقد كان لي عالمي الخاص الذي تشوش وتعكر صفوه بتعطل ذلك التلفاز.
ذهبت لأبي أرجوه أن يصلح التلفاز لإعادة نافذتي الوحيدة على العالم لسابق عهدها لأني كنت في أول . يومي وقد كان التلفاز بعد نهاية يومي الدراسي بمثابة الصندوق السحري الذي يقدم لي جرعات من التشويق والإثارة، والتي كنت أتوق لها دائما لأني لم أكن في ذلك الوقت أملك هواية أتسلى بها أو أقتل فيها وقت فراغي الذي كان وما زال إناء يفرغ بسرعة وهاجسي على الدوام ملؤه.
على الرغم من سرعة استجابته، إلا أن ظني خاب عندما علمت بعد عودة أبي في المساء أن الجهاز سيبقى ثلاثة أيام حتى يتم إصلاحه.
نما عندي فضول قوي ذلك اليوم لأشغل وقتي بشيء بديل حتى تعود نافذتي لسابق عهدها بدأت أبحث في أرجاء المنزل لعلي أجد شيئًا يسليني خلال تلك الثلاثة الأيام الموحشة فقادني البحث للطابق العلوي من منزلنا ومن هناك توجهت إلى غرفة لم أفكر بدخولها يوما من الأيام.. مكتبة أبي.
لا أستطيع أن أصف شعوري ذلك اليوم عندما فتحت باب المكتبة لكنه كان أقرب لمن اكتشف كنزًا مدفونا في فناء منزله. لقد كان الكنز مجموعة من الكتب والمجلات والأشرطة والوثائق التي جمعها أبي خلالسنوات دراسته في أمريكا وكانت كلها مصفوفة في دولاب زجاجي ضخم ومرتبة بعناية شديدة وكانت طاولة القراءة مثل التي تجدها في غرف الاجتماعات يتربع فوقها مجسم للكرة الأرضية وفي مركزها كرسي متحرك من الجلد الطبيعي.
أحسست أن العالم بين يدي وبالرغم من أن الكتب والمجلات والأشرطة كانت كلها باللغة الإنجليزية إلا أني نهلت منها بشغف وعشقت من خلالها القراءة والاستماع لأغاني مغني الستينيات وأنا Boney M the Bee Gees, The Beatles والسبعينيات مثل أتصفح أول نسخة لي من مجلة Time .. كنت هناك وأنا هنا.
وجدت في تلك المكتبة البساط السحري الذي لف بي العالم بواسطة صفحات من الورق ومن خلال بعض الألحان الموسيقية التي كانتتأخذني لثقافتي الأولى في ثوان. كنت أشعر بأني محظوظ لأن معظم الأطفال في سني لم يكونوا ليستفيدوا من هذا الكنز العظيم دون اللغة التي كنت أملكها والتهيئة الثقافية والفكرية التي غرست بي والحرية التي منحت لي في تصفح تلك المكتبة.
أنهيت قراءة أول موسوعة لي في أيام وقد كنت مجرد طفل في العاشرة وأبحرت في علوم لم أكن أفهمها في ذلك الوقت لأن أبي كان يحب اقتناء الكتب في كل المجالات وكانت لديه مجموعة خاصة مقفل عليها في حقيبة دبلوماسية سوداء تمكنت من فتحها لاحقا بعد عدة أشهر.
عاد التلفاز للمنزل بعد مضي الأيام الثلاثة ولم أعره أي انتباه كالسابق فقد وجدت ما هو أثرى وأغنى لذا أبحرت في محيطات تلك المكتبة دون توقف حتى تخرجت من المرحلة الابتدائية وفي ذلك الوقت لم أكن أجد في المناهج الدراسية جاذبية مما كان له أثر عكسي على مستوى تحصيلي العلمي.. لم أكن غبيا لكني لم أكن مهتما.
لم تكن لي صداقات كثيرة في تلك المرحلة من حياتي ليس لاني منطو لكني لم أنجذب للأطفال في عمري فموضوعاتهم كانت بعيدة بمراحل عن الموضوعات التي قد تحرك أدنى اهتمامى وكنت أرى في اهتماماتهمسطحية شديدة بالرغم من محاولاتي المتكررة للاندماج معهم، في تلك المرحلة بدأت بقراءة المؤلفات المحلية لكنها أيضًا لم تجذبني لفارق الأسلوب والقوة في الطرح عن مثيلاتها في الطرف الغربي لكن شدنيالأدب وقرأت لشوقي كثيرًا لا أعرف لماذا لكنه أكثر شاعر لفت انتباهي وجذبني لما يكتب.
مضت الأيام وعشت بعقل مختلف عن من هم حولي ليس بالضرورة أذكى لكن بالتأكيد مختلف. كانت قراءتي اليومية والمستمرة لتلك الكتب في مكتبة أبي عاملاً رئيسًا في تبلور شخصيتي وحدوث ما يشبه البلوغ المبكر لعقلي. كنت أحب تحليل الشخصيات لأن العينات كانت كثيرة ومتنوعة من حولي. أذكر عندما كنت في الثانية عشرة من عمري تقريبا كنت أعاني مشكلة في المعدة وكان هذا الألم متكررا ولم يجد معه علاج كل الأطباء والاستشاريين الذين أخذني إليهم أبي وبسبب قلق أمي علي وعدم تقديم الطب الحديث حلا لحالتي المزمنة قررت أمي الذهاب إلى «شيخ» متخصص في القراءة على الناس وبالرغم من أن أمي لم تكن لتطرق هذا الباب المجهول أو تفكر به ليس جحدا بالقرآن وقدرته بإذن الله على شفاء الناس لكن شكا وعدم ثقة في ممارسي القراءة. لكنها في النهاية خضعت لضغوط أقاربها وإصرارهم وتوصياتهم العالية بحق هذا الشيخ الفاضل».
خرجنا مع أبي بعد إلحاح أمي وتوجهنا لشخص كان يلقب بـ الشيخ العماني» لبدء جلسات العلاج معه. كان أبي يوصلنا إلى منطقة بيوتها من طين لنقطع أنا وأمي بقية المسافة على الأقدام عبر بيوت قديمة متهالكة وقد كانت بيئة جديدة علي في ذلك الوقت. كانت شوارعها ذاترائحة مميزة. لم أكن أعي في الزيارة الأولى وجهتنا لكن مع تكرر الزيارات كنت أتحمس للذهاب لأن تلك المنازل الطينية كانت تعجبني لسبب ما.
كنا ننتظر الشيخ في غرفة صغيرة ممتلئة بالنساء والأطفال ونادرا ما نرى رجلا بينهم وكان هذا الانتظار يمتد لفترات طويلة في زياراتنا الأولى قبل أن تدرك أمي الآلية التي يعمل بها هذا المكان وهي «المال» فحصلنا على تصاريح مرور VIP في كل زيارة بعد إدراك أمي لهذه الآلية. كانت الأموال تتدفق في يد كل من يوصلنا إلى «الشيخ بسرعة وفي نهاية المطاف وبعد عدة نقاط جمركية لا أجلس أمامه إلا خمس دقائق تحاول فيها أمي شرح حالتي بسرعة والقلق على وجهها وهو مغمض العينين واضع يده على رأسي ويتمتم ببعض الكلمات غير المسموعة بوضوح وأنا أنظر إليه بخليط من الخوف والاستغراب وينتهي اللقاء في العادة بالبصق في وجهي وفي قارورة من الزيت أو الماء وخروجنا بسرعة وعلى عجالة وكأننا نهرب من مسرح جريمة.
استمرت زيارات أمي لـ «الشيخ واستمرت جلسات البصق في وجهي حتى توقفت أمي فجأة عن الذهاب إليه. بصراحة لقد اعتدت على تلك الزيارات التي كانت تخرجني من المنزل. لم أكن من الأولاد الذين يسمح لهم بالخروج كثيرًا لذلك كانت تلك المواعيد «العلاجية» تغييرا جميلا.
بعد عدة أسابيع انقطعت زياراتنا لـ «الشيخ» فسألت أمي قائلا:
لماذا لم نعد نذهب للشيخ يا أمي ؟»
فردت أمي برد لم أضحك عليه إلا بعد سنوات عندما كبرتواستوعبت كلامها فقد قالت بحسرة
قبضت عليه الشرطة».
لم أتصور يوما أن أمي التي كانت متعلمة وزارت أكثر من عشرين دولة حول العالم سينتهي بها المطاف إلى أخذ ابنها لرجل كي يبصق في وجهه وتدفع له مبلغا مجزيا مقابل ذلك.
دفعني هذا الموقف عندما استرجعته بذاكرتي يوما للتفكير وأثار ذلك في عقلي المتحرك سؤالا :
لماذا .. ؟
لماذا فعلت أمي ذلك؟
لماذا ذهبت لذلك الدجال الذي أغرقني بزيوته وبصاقه .. ؟
لم أجد إلا جوابًا واحدًا.. «الخوف»…
نعم إنه الخوف.. الخوف جردها من عقلها ومنطقها وجردها من كل وسائل الدفاع عن النفس. الخوف الذي كان سلاح ذلك الرجل كي يبتز الناس في أموالهم وأحيانًا أعراضهم ولم يقدر أحد على مناقشته لأنه كان يلبس عباءة أعطته كل الصلاحيات والحصانة التي يحتاجها.. الدين.
بقي هذا الموضوع في ذهني حتى بلغت العشرين من العمر وأصبحمركزا لاهتمامي وشاغلا لبالي وأصبحت أراقب أفراد المجتمع حولي ووضعت نظرية «الخوف» للقياس والتجربة أكثر من مرة ولم تخيب هذهالنظرية ظني قط. حاولت أن أوضح للناس بالنقاش المنطقي أن الثقة العمياء التي يهبونها لبعض المتنكرين بعباءة الدين تخالف غريزة الحذر والخوف التي هي من أساسيات البقاء عندهم لكن تأثير اللحية والثوب القصير ورائحة دهن العود كان أقوى مني ومن منطقي. مع ذلك كان لدي أمل أن أحقق تغييرا في نمط التفكير السائد تجاه المتمشيخين» لكن عند وصولي للمرحلة الجامعية اكتشفت أن مجتمعي يعاني من سوء فهم لمعنى الفهم.
بمعنى آخر أن هناك تقويما سابقا لعقل الشخص قبل أن يفتح فمه، وتقويما الأخلاقه قبل أن يتعامل معك. لم أفهم هذا النظام ولم أقرأ عنه من قبل في أي كتاب.
تكيفت مع مجتمعي بالتمسك بمفاهيمي ومبادئي وأتقنت تجاهل من اختار أن يكون جاهلاً.
كان البعض ينتقد استشهادي بأينشتاين لأنه يهودي ويتهمني بالغباء لأني معجب بعقلية هتلر النازي وكان العرف المفروض هنا هو أن كل شيء خارج حدود جغرافية وطني لا يجوز التعامل معه إلا بازدراءوحسرة، فهم الضالون ونحن الناجون.
حتى صداقاتي مع معتنقي بعض الديانات الأخرى وأصحاب المذاهب المختلفة كان ينظر لها البعض على أنها خيانة عظمى للمنظمة التي ستدخل الجنة من أوسع أبوابها.
لا أنكر أني حاولت تبني هذا الفكر في فترة من فترات حياتي من باب التكيف وتجربة الجديد لكن لم أستطع لأن متطلبات عقلي كانت أكبر، اتهمت بالزندقة وازدراء الدين أكثر من مرة من قبل عدد من المتعالمين الأسباب ليست دينية من الأساس.
بدأت بعدها أفكر حتى توصلت لقناعة خاصة بي وهي أن الأحمق مثل العاري أمام الناس وسوف يغطي ويستر نفسه بأي شيء وبأي طريقة حتى يداري حماقته فهناك من يختار الصمت وأنا أحترم هذا النوع وهناك من يختار الهجوم على شخصك كي يلتفت الناس إليك ويديروا أنظارهم عن عورته المكشوفة وهذا للأسف حال الكثير من أبناء مجتمعي الأغبياء.
البعض يخلط بين الجهل والغباء فيعتقد أن الجهل مذمة مثل الغباء ولا يدرك أننا كلنا جاهلون بشيء ما بطريقة أو بأخرى ولا يعلم العلم كله إلا الله، فكلمة جاهل صفة لنقص المعرفة لكن الغباء صفة لنقص القدرة على استيعاب المعرفة وهذا أخطر.
في تلك المرحلة من عمري وفي أوج عطش عقلي للمعرفة تغير مجرى حياتي وإلى الأبد. لم أحك ما حدث معي لأحد لأني لم أجد تفسيرا لتلك الأحداث يقبله أي عقل في هذا الزمن.
ولكي أكون واضحًا منذ البداية فأنا لا أنتظر القبول أو الرفض من أحد، وسوف أسرد ما مررت به لمجرد التوثيق الزمني لعل يوما منالأيام بعد ما أموت ينظر لما كتبته مثل ما نظر المؤلفات من قال أول مرة إن الأرض كروية فأحرق هو ومؤلفاته ولم تظهر حقيقة ما كتب إلا بعد قرون طويلة.
ما سأذكره في الصفحات التالية من أحداث وقصص وروايات لن أطلب من أحد تصديقها ولن أدعي أنها حقيقة حفاظا على نفسي من سوط النقد الجاهل وكذلك لن أقول إنها رواية من نسج خيالي كي لا أظلم جزءًا مهما من حياتي غيرها إلى الأبد لكن سأكتفي بالقول إنها مجرد.. . إسرائيليات.