العرّافة لا تكذب

العرّافة لا تكذب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

العرّافة

image about العرّافة لا تكذب

كانت رائحة العفن والموت أول ما استقبلني عندما فتحت الباب الحديدي المتآكل للقصر. طلاء الجدران يتقشر مثل جلد مريض، والستائر الممزقة ترفرف وكأن يداً خفية تحركها رغم انغلاق النوافذ. اشترى الصفقة بسعر لا يصدق، نصف ثمن السوق، حتى أن المحامي نظر إليّ بشفقة وهو يهمس: “لا أحد بقي على قيد الحياة هناك، سيدي.”

تجاهلت التحذيرات. كنت بحاجة ماسة إلى هذا القصر لتحويله إلى منتجع فاخر قبل أن يفلس مشروعي.

في الليلة الأولى، جلست في غرفة المعيشة لأراجع الأوراق. كان هناك ثلاثة كراسٍ قديمة منجدة بالمخمل الأحمر، موضوعة في نصف دائرة حول مدفأة مطفأة. شعرت ببرودة تخترق عظامي رغم أن المدفأة كانت مشتعلة. نظرت إلى الكرسي المقابل لي، فرأيت أثر مقعد على المخمل، وكأن شخصًا كان جالسًا هناك للتو ونهض.

تخيلت أنني أرهقت نفسي. صعدت إلى غرفة النوم الرئيسية. في منتصف الليل، أيقظني صوت صرير أقدام على الخشب القديم. نزلت بهدوء، متسللاً في الظلام. رأيت ظلاً طويلاً يجلس على أحد الكراسي الثلاثة. كان يحدق في المدفأة التي اشتعلت من تلقاء نفسها.

تقدمت خطوة، فانطفأت النار فجأة. اختفى الظل.

في الصباح، وجدت شيئاً لم ألحظه من قبل: على الحائط خلف الكراسي، كلمات محفورة بعمق في الجص، كأنها كتبت بأظافر بشرية:

“العرّافة لا تكذب. الجلوس عليه واجب. الثالث هو الموت.”

ناديت عاملاً ليرافقني تلك الليلة. جلسنا في الغرفة، أنا على الأريكة، وهو واقف بالقرب من الباب. فجأة، انطفأت الأنوار. سمعت صوت تنهد خلفي، ثم صوت وقع أقدام ثقيلة. صرخ العامل: “الكرسي! الكرسي الأوسط! هناك شخص جالس عليه!”

أشعلت كشاف هاتفي. كان الكرسي فارغاً. لكن العامل كان يشير بيد مرتجفة إلى المقعد المخملي، حيث رأيت انطباعاً عميقاً لجسم يجلس عليه، وكان المخمل يتمزق ببطء وكأن أظافر غير مرئية تشق القماش.

عندها، سمعنا الصوت.

كان صوتاً أجشاً، يخرج من جدران الغرفة نفسها: “الجلوس الأول... حرق.”

نظرت إلى المدفأة، فارتفع اللهب فيها فجأة بارتفاع غير طبيعي، متحولاً إلى اللون الأزرق. صرخ العامل وولى هارباً. تركته وتبعتُه إلى الخارج، لكن الباب الحديدي كان مغلقاً بقفل لم أضعه هناك.

عدت أدراجي، فوجدت الغرفة كما هي، لكن شيئاً تغير. كانت الكراسي الثلاثة قد دارت لتصطف في خط مستقيم، تواجهني. وعلى الكرسي الأيمن، رأيت جسماً مشتعلاً بالكامل، يتحول إلى رماد وهو يجلس بثبات. اختفى الجسد، لكن الكرسي ظل دافئاً عند لمسه.

في اليوم التالي، اكتشفت أن العامل قد مات في منزله. تقرير الطبيب: احتراق داخلي كامل، دون أي أثر للحروق على الجلد.

أدركت اللعبة. الكرسي الأوسط هو "العرّافة". من يجلس عليه، تروى قصته. ولكن لا أحد يخرج حياً بعد الجلوس الثالث. حاولت الهروب، لكن كل الأبواب كانت تغلق من تلقاء نفسها. حاولت كسر الجدار، لكن الجص كان يلتئم أمام عيني.

جاءت الليلة الثالثة، وأنا منهك، عاجز. نزلت إلى غرفة المعيشة. جلست على الكرسي الأوسط طواعية. المخمل برد تحت يدي. المدفأة اشتعلت بلهب أسود.

سمعت الصوت الأجش مرة أخرى، هذه المرة خلف أذني مباشرة:

“الجلوس الثالث... سترى.”

فتحت عيني، فوجدتني لا أجلس في القصر، بل في غرفة لا نهاية لها، مليئة بالمرايا. في كل مرآة، كنت أرى نفسي، لكنها لم تكن تعكس حركاتي. بعضي كان يبكي، وبعضي كان يصمت، وبعضي كان يصرخ دون صوت.

وفي المرآة الأخيرة، رأيت حقيقتي: لست أنا من اشترى القصر. القصر هو من اشترى روحي منذ اللحظة التي وقعت فيها على عقد الشراء.

لم أعد وحدي في جسدي بعد الآن. أصبحت أحد الكراسي الأربعة.

نعم، أربعة. لأن العرّافة الآن تكتمل، وجلوسي كان هو الحضور الرابع الذي ينتظر الضحية القادم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Dina Medhat تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.