الطابق السابع... المكان الذي لم يخرج منه أحد كما دخل

الطابق السابع... المكان الذي لم يخرج منه أحد كما دخل
في ليلة شتوية عاصفة، كانت الرياح تضرب نوافذ المنازل بقوة وكأنها تحاول اقتحامها. اجتمع أربعة أصدقاء داخل مقهى صغير على أطراف المدينة، يتبادلون الأحاديث والقصص المخيفة التي تنتشر بين السكان منذ سنوات طويلة.
كان أكثر تلك القصص شهرة تتعلق بمستشفى مهجور يقع فوق تل مرتفع خارج المدينة. مبنى ضخم رمادي اللون، نوافذه محطمة، وأبوابه الحديدية تصدر صريرًا مخيفًا كلما هبت الرياح. لكن أكثر ما أثار الرعب حوله هو الحديث عن الطابق السابع، ذلك الطابق الذي أُغلق قبل أكثر من ثلاثين عامًا بعد حادثة غامضة لم يتمكن أحد من تفسيرها.
ضحك أحمد ساخرًا وقال:
"كلها خرافات، لو كان هناك شيء حقيقي لعرفته الشرطة."
لكن سامح رد عليه:
"إذن لماذا مُنع الناس من دخوله؟ ولماذا يختفي كل من يحاول استكشافه؟"
ساد الصمت للحظات قبل أن يقترح كريم الذهاب إلى المستشفى في تلك الليلة لإثبات الحقيقة.
بعد ساعة واحدة فقط، كانت المجموعة تقف أمام البوابة الصدئة للمستشفى. كانت السماء مغطاة بالغيوم السوداء، والبرق يضيء المكان للحظات قصيرة تكشف حجم الخراب الذي أصابه.
دخلوا المبنى حاملين مصابيح يدوية. كانت الممرات طويلة ومظلمة، والجدران مغطاة ببقع سوداء مجهولة المصدر. كل خطوة كانت تُحدث صدى مخيفًا يتردد في المكان.
عندما وصلوا إلى المصعد القديم وجدوه متوقفًا عن العمل، فقرروا استخدام السلالم.
كلما صعدوا طابقًا شعروا بانخفاض غريب في درجة الحرارة. وعندما وصلوا إلى الطابق السادس، بدأت هواتفهم تفقد الإشارة بالكامل.
نظر كريم إلى الشاشة وقال:
"هذا غريب... لا توجد أي شبكة."
لكن الغريب حقًا كان ما حدث بعد ذلك.
فبينما كانوا يقفون أمام الباب المؤدي للطابق السابع، سمعوا صوت خطوات قادمة من الداخل.
تجمدت الدماء في عروقهم.
كان المستشفى مهجورًا منذ سنوات، فمن الذي يمكن أن يكون هناك؟
تردد أحمد قليلًا ثم دفع الباب ببطء.
انفتح الباب مصحوبًا بصوت احتكاك معدني حاد.
كان الطابق السابع مختلفًا تمامًا عن بقية المبنى.
الجدران نظيفة وكأن أحدًا ما يعتني بها باستمرار، والمصابيح القديمة كانت تومض بضوء أصفر خافت رغم عدم وجود كهرباء في المستشفى بأكمله.
بدأوا السير داخل الممر الطويل.
فجأة لمح سامح ظلًا يعبر نهاية الممر بسرعة كبيرة.
صرخ:
"هل رأيتم ذلك؟"
لكن الآخرين لم يروا شيئًا.
تابعوا التقدم حتى وصلوا إلى غرفة تحمل الرقم 713.
كانت باب الغرفة مفتوحًا قليلًا.
اقترب كريم وألقى نظرة إلى الداخل.
في البداية ظن أن الغرفة فارغة، لكنه لاحظ شيئًا مرعبًا.
كان هناك شخص يقف في الزاوية المظلمة.
شخص طويل جدًا ونحيل بشكل غير طبيعي.
وجهه شاحب كالموت، وعيناه سوداوين بالكامل.
تراجع كريم مذعورًا.
لكن عندما دخل الجميع إلى الغرفة لم يجدوا أحدًا.
اختفى الشخص وكأنه لم يكن موجودًا.
بدأ الخوف يتسلل إلى نفوسهم.
قرروا المغادرة فورًا.
لكن عندما عادوا إلى الممر اكتشفوا أن الطريق قد تغير.
لم يعد هناك سوى ممر واحد يمتد إلى ما لا نهاية.
ركضوا في اتجاه السلالم لكنهم لم يجدوها.
كل الأبواب أصبحت متشابهة.
كل الغرف تحمل الرقم نفسه: 713.
شعروا بأنهم عالقون داخل متاهة لا تنتهي.
فجأة انطفأت جميع المصابيح.
غرق المكان في ظلام مطلق.
ثم سمعوا صوتًا منخفضًا يهمس من كل الاتجاهات.
كان الصوت يردد جملة واحدة:
"لماذا عدتم؟"
تسارعت دقات قلوبهم.
حاول أحمد تشغيل مصباحه لكنه لم يعمل.
بعد ثوانٍ قليلة عاد الضوء فجأة.
لكن سامح لم يعد موجودًا.
اختفى تمامًا.
بدأ الثلاثة الآخرون يصرخون باسمه دون جدوى.
وفجأة سمعوا صرخة مرعبة قادمة من مكان بعيد.
كانت صرخة سامح.
ثم انقطع الصوت فجأة.
أدركوا أن عليهم الهروب بأي طريقة.
ركضوا بسرعة داخل الممر.
لكن كلما ركضوا عادوا إلى النقطة نفسها.
وكأن المكان يرفض خروجهم.
ثم ظهرت تلك الشخصية مرة أخرى.
كانت تقف في نهاية الممر.
هذه المرة بدأت تتحرك نحوهم ببطء.
كل خطوة كانت تصدر صوت طقطقة يشبه تكسر العظام.
تراجع الأصدقاء في رعب.
لكن الشيء لم يتوقف.
اقترب أكثر فأكثر.
وعندما أصبح على بعد أمتار قليلة فقط، رأوا وجهه بوضوح.
لم يكن وجه إنسان.
كان مكونًا من عشرات الوجوه الملتصقة ببعضها البعض.
وجوه تصرخ وتبكي وتتوسل للمساعدة.
صرخ كريم وسقط على الأرض.
وفي اللحظة نفسها انفتح باب خلفهم.
دخلوا بسرعة وأغلقوه.
كانت الغرفة مليئة بالملفات القديمة.
أخذ أحمد يقلب الأوراق بعصبية حتى وجد تقريرًا يعود إلى عام 1994.
تحدث التقرير عن تجربة سرية أجريت داخل الطابق السابع.
كان الأطباء يحاولون دراسة تأثير العزلة التامة على المرضى النفسيين.
لكن شيئًا كارثيًا حدث.
اختفى عدد من المرضى، ثم بدأ العاملون يشاهدون أشخاصًا لا وجود لهم.
بعد أسابيع قليلة اختفى الطاقم الطبي بالكامل.
ومنذ ذلك اليوم تم إغلاق الطابق نهائيًا.
بينما كانوا يقرأون الملف سمعوا طرقًا عنيفًا على الباب.
ضربة تلو الأخرى.
ثم بدأ الباب ينبعج إلى الداخل.
عرفوا أن ذلك الشيء قد وصل.
بحثوا بسرعة عن مخرج.
وجد كريم فتحة تهوية كبيرة.
زحفوا داخلها محاولين الهرب.
لكن أثناء الزحف سمعوا صرخة أحمد.
التفت كريم للخلف.
كان أحمد قد اختفى.
اختفى داخل الظلام خلفهم.
لم يبق سوى كريم وصديقه الأخير.
استمر الاثنان في الزحف حتى وصلا إلى فتحة تؤدي إلى السلالم.
قفزا بسرعة وبدآ النزول.
طابقًا بعد طابق.
حتى وصلا إلى الطابق الأرضي.
كان الباب الخارجي أمامهما مباشرة.
ركضا بكل ما لديهما من قوة.
وعندما وصلا إلى الخارج سقطا على الأرض من شدة الإرهاق.
ظنا أن الكابوس انتهى.
لكن عندما نظر كريم إلى صديقه شعر برعب يفوق كل ما مر به.
كان وجه صديقه قد تغير.
عيناه أصبحتا سوداويين بالكامل.
وابتسامة غريبة ارتسمت على وجهه.
ثم قال بصوت لم يكن صوته:
"الطابق السابع لا يسمح لأحد بالمغادرة وحده."
في صباح اليوم التالي عثرت الشرطة على كريم فاقدًا للوعي قرب المستشفى.
كان وحده.
أما أصدقاؤه الثلاثة فلم يُعثر عليهم أبدًا.
وعندما سأله المحققون عما حدث، رفض الحديث تمامًا.
ظل صامتًا لسنوات.
لكن قبل وفاته بيوم واحد فقط كتب جملة قصيرة في دفتره الشخصي:
"لا تذهبوا إلى الطابق السابع... لأنه ليس مكانًا داخل المستشفى، بل شيء ينتظر من يدخله."
ومنذ ذلك اليوم عاد المستشفى إلى واجهة قصص الرعب في المدينة.
ولا يزال السكان يؤكدون أنهم في بعض الليالي يرون أضواء خافتة في الطابق السابع.
وأحيانًا يسمعون أصوات أشخاص يستغيثون من النوافذ المغلقة.
أما من يقترب كثيرًا من المبنى، فيقسم أنه يرى أربعة أشخاص يقفون خلف الزجاج المظلم وينظرون إلى الخارج بصمت تام... وكأنهم ما زالوا ينتظرون من ينقذهم.