الراكب الأخير الغامض

الراكب الأخير
كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا، والمدينة غارقة في الصمت. المطر يهطل بغزارة، والشوارع شبه خالية إلا من بعض السيارات المتفرقة.
كان "محمود" يقود سيارة الأجرة الخاصة به بعد يوم عمل طويل. شعر بالإرهاق وقرر أن تكون هذه الرحلة الأخيرة قبل العودة إلى منزله.
وأثناء مروره بجوار طريق قديم على أطراف المدينة، لمح رجلًا يقف تحت المطر.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا ويقف بلا حركة.
تباطأت السيارة.
فتح الرجل الباب الخلفي وجلس دون أن ينطق بكلمة.
نظر محمود إلى المرآة وسأله:
"إلى أين؟"
أجاب الراكب بصوت منخفض:
"إلى آخر الطريق."
استغرب محمود من الإجابة، لكنه انطلق.
مرت عدة دقائق في صمت غريب.
كلما نظر إلى المرآة شعر بعدم الارتياح.
كان الراكب يجلس ثابتًا تمامًا.
لا يتحرك.
لا ينظر من النافذة.
لا يفعل أي شيء.
فقط يجلس.
بعد عشرين دقيقة وصلوا إلى منطقة نائية لا توجد فيها منازل أو أضواء.
قال محمود:
"لقد انتهى الطريق."
أشار الرجل إلى الأمام.
كان هناك طريق ترابي ضيق وسط الظلام.
وقال:
"أكمل."
تردد محمود، لكنه فعل ذلك.
كلما تقدمت السيارة أصبح الجو أبرد.
وبدأ الضباب يزداد كثافة.
وفجأة لاحظ محمود شيئًا غريبًا.
في المرآة...
لم يكن يرى انعكاس الراكب.
نظر مرة أخرى.
المقعد الخلفي ظاهر بوضوح.
لكن الرجل غير موجود في المرآة.
شعر بالخوف يتسلل إلى قلبه.
استدار بسرعة نحو الخلف.
كان الرجل ما زال جالسًا.
عاد لينظر إلى المرآة.
اختفى مجددًا.
توقف قلبه للحظة.
أراد أن يطلب من الرجل النزول فورًا، لكنه لم يستطع الكلام.
ثم قال الراكب بهدوء:
"لا تنظر إلي كثيرًا."
ازدادت سرعة نبضات محمود.
وبعد دقائق وصلوا إلى بوابة حديدية صدئة.
خلفها كانت توجد مقبرة قديمة.
قال الرجل:
"توقف هنا."
ضغط محمود على الفرامل بسرعة.
أخرج جهاز الدفع لينهي الرحلة.
لكن عندما التفت إلى الخلف...
كان المقعد فارغًا.
اختفى الراكب.
اختفى تمامًا.
فتح الأبواب ونزل من السيارة يبحث حوله.
لم يجد أحدًا.
ولا حتى آثار أقدام على الأرض المبتلة.
عاد إلى السيارة وهو يرتجف.
وفجأة لاحظ شيئًا موضوعًا على المقعد الخلفي.
ورقة قديمة صفراء اللون.
رفعها ببطء.
كانت صورة بالأبيض والأسود.
لرجل يرتدي معطفًا أسود طويلًا.
نفس الرجل.
وفي أسفل الصورة تاريخ.
قلب الصورة.
فوجد عبارة مكتوبة بخط باهت:
"توفي في حادث سيارة أثناء عودته إلى منزله."
شعر محمود ببرودة تجتاح جسده.
وأسرع بمغادرة المكان.
في صباح اليوم التالي قرر العودة إلى المقبرة.
أراد أن يفهم ما حدث.
بحث بين القبور حتى وجد شاهد قبر قديم.
توقف فجأة.
كانت الصورة نفسها مثبتة على القبر.
والاسم نفسه.
والوجه نفسه.
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم لاحظ شيئًا مرعبًا أكثر.
تاريخ الوفاة كان قبل أكثر من ستين عامًا.
بينما هو واقف هناك، سمع صوتًا خلفه.
صوتًا يعرفه جيدًا.
"شكرًا على التوصيلة."
استدار بسرعة.
لكن لم يكن هناك أحد.
فقط ضباب كثيف يتحرك بين القبور.
عاد إلى سيارته وهرب من المكان.
ومنذ ذلك اليوم رفض العمل ليلًا.
لكن القصة لم تنتهِ.
ففي كل عام، وفي نفس الليلة الممطرة، وعند الثالثة صباحًا بالضبط...
يظهر على المقعد الخلفي لسيارته أثر ماء وكأن شخصًا جلس هناك لتوه.
وتنبعث رائحة مطر بارد...
وصوت خافت يقول:
"إلى آخر الطريق..."