"ترددات الموت: صدى الغرفة 404"

"ترددات الموت: صدى الغرفة 404"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

"ترددات الموت: صدى الغرفة 404"

image about

الطرد الغامض

في قلب مدينة صاخبة، كان مراد يعيش في عالم موازٍ محاطاً بالعزل الصوتي والأجهزة الرقمية؛ مهندس صوت أربعيني أمضى عمره يرمم التسجيلات النادرة. في ليلة شتوية عاصفة، تلقت الشركة طرداً بريدياً مجهولاً لم يُكتب عليه اسم المرسل، ولم يكن بداخله سوى شريط مغناطيسي قديم من طراز "الريل"، ومعه ورقة صغيرة كُتبت بخط يدوي مرتجف كأنه كُتب تحت وطأة ذعر شديد: "لا تستمع إلى الترددات الخفية... إنهم يتربصون في الصمت". لم يكترث مراد بالتحذير، بل اعتبره نوعاً من الدعاية والترويج لعمل فني قديم، فدفعه فضوله المهني لتركيب الشريط فوراً وبدء التشغيل.

image about

أنفاس في الظلام

بدأ الشريط يدور ببطء، ولم يصدر منه في البداية سوى صوت فحيح ساكن يشبه حركة الرياح في وادٍ مهجور. فضّل مراد عزل الضوضاء، فارتدى سماعاته الاحترافية وبدأ برفع مؤشرات الصوت واستخدام فلاتر التنقية الرقمية لتفكيك الموجات. فجأة، بدأت تتشكل أصوات رتيبة ومقلقة: أنفاس بشرية ثقيلة ومتلاحقة كأنها لشخص يركض في ممر ضيق، يتبعها صوت قطرات ماء تسقط بانتظام مريب: تك... تك... تك. ثم تلا ذلك همس جماعي بلغة غير مفهومة، ترددات منخفضة جداً لا تدركها الأذن مباشرة لكنها تبث الرعب والهلع في خلايا الدماغ.

صوت من الجدار

بينما كان مراد يحلل الترددات عبر الشاشة مستغرباً من نمط الموجات، انقطع التيار الكهربائي فجأة عن الاستوديو بأكمله. ساد الظلام الدامس، قبل أن تنطلق إضاءة الطوارئ الخافتة لتصبغ جدران الغرفة بلون أحمر قاني ك الدم. الكارثة لم تكن في الظلام، بل في أن الصوت لم ينقطع؛ فرغم توقف الأجهزة تماماً وخلو الأثير من الكهرباء، كان صوت الأنفاس والتراتيل يتدفق بنقاء شديد، ولكنه لم يكن يخرج من السماعات هذه المرة، بل كان ينبعث من عمق الجدران الخرسانية المحيطة به.

image about

بصمات الزجاج

تجمدت الدماء في عروق مراد حين سمع صوتاً مألوفاً يناديه من خلفه؛ لقد كان صوته هو، بنفس نبرته المبحوحة وطريقة نطقه للحروف، يقول: "مراد... التفت إلي، لقد أصلحت الصوت أخيراً". التفت ببطء مستعيناً بضوء كشاف هاتفه المحمول الذي يرتجف في يده، ولم يجد أحداً خلفه. ولكن عندما وجه الضوء نحو الزجاج العازل للاستوديو، رأى ما جعله يصرخ رعباً: كفوفاً بشرية رطبة بدأت تُضغط على الزجاج من الداخل، وتتحرك ببطء شديد، وكأن هناك كائناً يحاول الخروج من قلب جزيئات الزجاج نفسه.

الفجوة السرية

تحت وطأة الهستيريا والذعر التي سببتها الترددات، التقط مراد مفكاً حديدياً ضخماً وبدأ يضرب الجدار الذي ينبعث منه الصوت بجنون. تساقط الطلاء وتفتت الجبس تحت ضرباته المتلاحقة حتى صنع فجوة مظلمة انبعثت منها فوراً رائحة عفن ورطوبة خانقة، وصوت قطرات الماء أصبح أعلى وأقرب. وجه كشاف هاتفه داخل الفجوة، لتتصلب أطرافه تماماً؛ كان هناك جهاز تسجيل يعمل بالبطاريات يدور ببطء، وبجانبه جثة متحللة ترتدي نفس ملابسه، وتضع في معصمها ساعته ذاتها، وتمسك بدفتر صغير.

صدى الزمن

بخطوات مرتجفة، سحب مراد الدفتر وفتحه تحت الضوء، ليرى خط يده ممتداً على الصفحة الأخيرة المكتوبة بتاريخ اليوم، وقرأ السطور الأخيرة: "لقد حوصرت هنا في التردد الارتدادي للزمن. كل من يستمع للشريط يصبح صدى في هذا الجدار. إذا كنت تقرأ هذا الآن، فاعلم أنك لست مراد الحقيقي، أنت مجرد الصدى الذي حان دوره ليسكن الجدار... والتفت خلفك الآن". انطفأ كشاف الهاتف، وفي الظلام الدامس، التفت يدان باردتان كالثلج حول عنقه، تهمسان بنبرته: "شكراً لأنك حررتني".

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-