الباب الذي لا يُغلق
حين تنظر إليك المرآه
ا
في أحد الأزقة الضيقة في حي قديم، كان هناك منزل مهجور يبتعد عنه الجميع. لم يكن شكله مخيفًا في النهار، لكنه مع غروب الشمس يتحول إلى شيء آخر تمامًا. نوافذه المكسورة تشبه عيونًا تراقب، وبابه الخشبي القديم يصدر صريرًا خافتًا حتى عندما لا يلمسه أحد.

كان “سيف” يسمع دائمًا قصصًا عن هذا المنزل من أصدقائه، لكن فضوله كان أقوى من خوفه. في إحدى الليالي، قرر أن يكتشف الحقيقة بنفسه. اقترب من المنزل بخطوات مترددة، وقلبه ينبض بسرعة. الهواء كان باردًا بشكل غريب، رغم أن الجو كان دافئًا في الخارج.
عندما لمس الباب، انفتح ببطء… وكأنه كان ينتظره.
دخل سيف، وأضاء هاتفه ليرى الطريق. الغبار يملأ المكان، والأثاث مغطى بملاءات قديمة. كل شيء يبدو طبيعيًا… لكن الصمت كان ثقيلاً جدًا، كأن المنزل يخفي شيئًا.
فجأة، سمع صوت خطوات خفيفة في الطابق العلوي.
توقف في مكانه، محاولًا إقناع نفسه أن الصوت مجرد وهم. لكنه تكرر… خطوة… ثم أخرى. قرر أن يصعد، رغم الخوف الذي بدأ يتسلل إلى داخله.
كل درجة في السلم كانت تصدر صوتًا مزعجًا، وكأنها تحذره من الاستمرار. وعندما وصل إلى الأعلى، وجد ممرًا طويلاً مظلمًا، وفي نهايته باب نصف مفتوح.
اقترب ببطء… وكلما اقترب، شعر بأن الهواء يصبح أبرد. مد يده ودفع الباب.
الغرفة كانت فارغة… إلا من مرآة كبيرة على الحائط.
اقترب منها، ونظر إلى انعكاسه… لكنه تجمد في مكانه.
لأن الانعكاس لم يكن يتحرك مثله.
ظل سيف واقفًا، يرفع يده ببطء… لكن صورته في المرآة ظلت تنظر إليه فقط… ثم ابتسمت.
ابتسامة لم تكن ابتسامته.
تراجع للخلف بسرعة، وقلبه يكاد يخرج من صدره. حاول أن يهرب، لكنه سمع صوت الباب خلفه يُغلق بقوة. التفت، فلم يجد أحدًا.
ثم عاد ينظر إلى المرآة…
الانعكاس لم يعد مكانه.
اختفى.
وقبل أن يستوعب ما يحدث، شعر بشيء خلفه.
نَفَس بارد… قريب جدًا من أذنه.
وصوت خافت يقول:
“دلوقتي… دورك تبقى جوه.”
صرخ سيف، لكنه لم يسمع صوته.
وفي صباح اليوم التالي، مرّ أحد الجيران بجانب المنزل، ولاحظ أن الباب مفتوح قليلاً. نظر للداخل… فرأى شيئًا غريبًا.
مرآة قديمة… وبداخلها شاب يقف، يطرق من الداخل… بلا صوت.
أما خارج المرآة… فكان هناك ظل يبتسم
ابتسامة الظل لم تختفِ، بل اتسعت ببطء، كأنها تستمتع بكل لحظة. حاول الشاب داخل المرآة أن يصرخ مرة أخرى، أن يضرب الزجاج، أن يفعل أي شيء… لكن كل محاولاته كانت بلا صوت، بلا تأثير.
الجيران لم يلاحظوا شيئًا غريبًا. بالنسبة لهم، المرآة مجرد قطعة قديمة متسخة، تعكس ضوءًا باهتًا فقط. لا أحد يرى ما بداخلها… إلا من يدخل المنزل.
مرّت أيام، وأصبح المنزل أكثر هدوءًا من قبل، لكن في الليل… بدأت الأصوات تعود. خطوات خفيفة في الطابق العلوي، وصرير الباب الذي لا يُغلق، وهمسات غير مفهومة تتردد في الممرات.
وفي كل مرة يمر أحد بالقرب من المنزل، كان يشعر بشيء غريب… كأن أحدًا يراقبه.
بعد أسبوع، قرر شاب آخر يُدعى “مروان” أن يدخل المنزل. سمع نفس القصص التي سمعها سيف، وضحك عليها. قال لنفسه إن كل هذا مجرد خيال، وإنه سيثبت للجميع أنهم مخطئون.
عند الغروب، وقف أمام الباب.
نفس الشعور… نفس البرودة… ونفس الصمت الثقيل.
فتح الباب، ودخل.
كل شيء بدا مألوفًا… كأن الزمن لم يتحرك منذ دخول سيف. صعد الدرج، خطوة بخطوة، حتى وصل إلى الممر الطويل… والباب نصف المفتوح في نهايته.
دفع الباب ببطء.
المرآة كانت هناك… لكنها لم تكن كما هي.
اقترب مروان منها، وحدق في انعكاسه. في البداية، لم يلاحظ شيئًا. ثم… لمح حركة خلفه داخل المرآة.
استدار بسرعة… لم يجد أحدًا.
عاد ينظر إلى المرآة…
هذه المرة، لم يكن وحده.
كان هناك شاب آخر يقف خلفه… وجهه شاحب، وعيناه مليئتان بالخوف.
كان سيف.
مد سيف يده من داخل المرآة، وكأنه يحاول الوصول إليه، يحذره… لكن قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، تحرك الظل مرة أخرى.
خرج ببطء من زاوية المرآة… كأنه يتشكل من الظلام نفسه.
اقترب من مروان… ولكن ليس في الواقع، بل داخل الانعكاس.
مروان شعر بشيء يمسك كتفه… التفّ بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
ثم سمع نفس الصوت… قريب جدًا من أذنه:
“واحد خرج… واحد يدخل.”
صرخ، وحاول الهرب، لكن الباب انغلق بعنف. وعندما نظر مرة أخيرة إلى المرآة…
رأى نفسه… يُسحب إلى الداخل.
وفي اللحظة التالية، سقط الصمت من جديد.
في الخارج، عاد الباب ليُفتح قليلاً… كأنه يدعو شخصًا آخر.
أما داخل المرآة…
فأصبح هناك اثنان يطرقان من الداخل…
والظل… أصبح أقوى.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يتحدث عن المنزل فقط كقصة رعب…
بل كتحذير:
“لو شفت المرآة…
ما تبصش فيه