صدى السرداب: حين ترفض الجدران النسيان

صدى السرداب: حين ترفض الجدران النسيان
تبدأ الحكايات المرعبة دائماً بفضول بشري لا يعرف الحدود، وهذا بالضبط ما قاد ياسين إلى ذلك القصر المتهالك في أطراف "حلوان". لم يكن القصر مجرد بناء قديم، بل كان يُعرف بين السكان المحليين بـ "بيت الصمت"، حيث يُشاع أن كل من دخله لم يعد يتحدث أبداً، ليس لأنه مات، بل لأن شيئاً ما هناك قد سرق صوته.
عندما وضع ياسين قدمه داخل السرداب المظلم أسفل القصر، انبعثت رائحة غريبة تمزج بين التراب الرطب وشيء يشبه الكبريت المحروق. كانت جدران السرداب مغطاة بنقوش غريبة لم يرَ مثلها في كتب التاريخ؛ لم تكن هيروغليفية ولا قبطية، بل كانت تبدو وكأنها خطوط عشوائية حفرتها أظافر بشرية في لحظات ذعر قصوى.
كلما توغل ياسين، شعر أن الهواء يزداد ثقلاً. أخرج كشافه اليدوي، ليرى انعكاسات باهتة على الجدران، لكن الغريب أن ظله لم يكن يتحرك معه بانتظام! كان الظل يتأخر لثوانٍ، وكأنه كيان منفصل يتردد في التبعية. فجأة، سمع همساً خلف أذنه اليمنى، صوت طفل ينادي اسمه بوضوح: "ياسين.. لا تلتفت".
تسمر في مكانه، فالعقل يخبره أن يركض، لكن الفضول القاتل دفعه للنظر إلى الخلف. لم يجد أحداً، لكنه وجد شيئاً أسوأ؛ كانت آثار أقدامه التي تركها على التراب تتلاشى تدريجياً، وكأن الأرض تبتلع تاريخ وجوده في المكان. أدرك ياسين حينها أن السرداب ليس مكاناً مادياً فحسب، بل هو فخ زمني يتغذى على هوية من يدخله.
وصل إلى نهاية الممر ليجد غرفة دائرية تتوسطها مرآة محطمة، وبجانبها عشرات الأحذية القديمة المرتبة بدقة متناهية. كانت الأحذية تخص أطفالاً، وشباباً، وعجائز من عصور مختلفة. عندما نظر إلى شظايا المرآة، لم يرَ وجهه، بل رأى وجوهاً مئات الأشخاص الذين اختفوا عبر العقود، يصرخون بصمت خلف الزجاج المكسور.
شعر بيأس شديد وبدأ يصرخ لطلب النجدة، لكنه اكتشف الرعب الحقيقي: صوته لم يخرج من حنجرته. لقد كان يفتح فمه ويبذل جهداً، لكن الغرفة كانت تمتص الموجات الصوتية فور خروجها. في تلك اللحظة، ظهرت كيانات رمادية شاحبة من الزوايا المظلمة، لم تكن تملك عيوناً، بل كانت تملك أفواهاً واسعة ومفتوحة دائماً، وكأنها في حالة نهم دائم للصراخ.
أدرك ياسين أن هؤلاء هم "الحراس"، وأنهم لا يريدون قتله، بل يريدون تحويله إلى مجرد "ذكرى" أخرى في جدران السرداب. حاول الركض نحو المخرج، لكن الجدران بدأت تضيق، والممر الذي جاء منه تحول إلى سد منيع. سقط على ركبتيه، وبينما كانت الكيانات تقترب لتطبق عليه، لمح ورقة قديمة تحت ركام الأحذية مكتوب عليها بدم جاف: "من يعطي صمته.. ينجو بروحه".
أغمض ياسين عينيه، وقرر ألا يصدر أي رد فعل، لا صراخ، لا بكاء، ولا حتى صوت أنفاس مسموع. دخل في حالة من السكون المطبق، متجاهلاً البرودة التي تسري في جسده والأصوات المرعبة التي بدأت تهمس في عقله لتستفزه. وبعد ساعات -أو ربما سنوات في عرف السرداب- فتح عينيه ليجد نفسه ملقىً في العراء أمام بوابة القصر، والشمس تشرق. حاول أن ينطق بكلمة واحدة ليطمئن على نفسه، لكنه لم يستطع. لقد نجا بجسده، لكن السرداب احتفظ بصوته للأبد كجزية للخروج.