البيت رقم 17: عندما يصبح الساكن ضيفًا دائمًا
البيت رقم 17: عندما يصبح الساكن ضيفًا دائمًا

البيت رقم 17 في شارع النخيل كان مهجورًا منذ عشرين عامًا، والناس في الحي يمرّون أمامه بخطوات سريعة كأنهم يحاولون ألا يسمعوا تنفس الجدران. الشائعات تقول إن صاحبه اختفى ليلة عاصفة، ولم يتبقَّ من أثره سوى صرير الباب الخلفي وصدى خطوات لا ينتمي لأحد.
أنا ياسين، محرر صحفي، دائمًا ما أبحث عن القصص التي يتجنبها الجميع. اشتريت البيت بنصف سعره، معتقدًا أن الغموض مادة جيدة للكتابة. في أول ليلة دخلتُ ومعي مصباح وبطانية. الرائحة كانت رطبة، ثقيلة، كأن الأرض نفسها تتنفس. وضعت البطانية في غرفة المعيشة ونمت.
استيقظت على همسة خافتة: "ليس هنا مكانك". نظرت حولي فلم أجد أحدًا. ظننت أنه حلم، وعدت للنوم.
في اليوم الثالث لاحظت شيئًا غريبًا: كل خطوة أخطوها على الأرض الخشبية يتبعها صدى خطوة أخرى، متأخرة نصف ثانية. بدأت أعدّ: واحدة... اثنتان... ويأتي الرد: واحدة... اثنتان. توقفت، فتوقفت هي أيضًا.
تجاهلت الأمر. لكن في الليلة الرابعة وجدت الكرسي قد تحرك من الحائط إلى مواجهة النافذة. كنت متأكدًا أنني تركته ملاصقًا للجدار. جلست عليه لأختبر، فانزلق ببطء إلى الخلف كأن يدًا خفية تدفعه.
بدأت أدون ملاحظاتي. في الليلة الخامسة كتبت: "الساعة 2:13 صباحًا – سمعت تنفسًا خلف الباب". رفعت رأسي فوجدت الباب مغلقًا، وتحتَه ظل أقدام.
لم أكن خائفًا بعد، كنت فضوليًا. في الليلة السادسة أطفأت المصباح وتعمدت أن أقول بصوت واضح: "أنا أسمعك". دام الصمت عشر ثوانٍ، ثم جاء الرد بصوت رجل عجوز متعب: "وأنا أسمعك منذ أن دخلت".
قفز قلبي. سألت: “من أنت؟”
أجاب: "أنا الذي لم يخرج".
أشعلت المصباح سريعًا، فلم أر أحدًا، لكن على الجدار كان مكتوبًا بأصبع مبلل: "اخرج قبل أن يصبح دورك".
في الليلة السابعة قررت الرحيل. حزمت أغراضي، وعند الباب الرئيسي اكتشفت أنه مغلق من الخارج. طرقت وناديت، لا جواب. عدت إلى الداخل فوجدت الكرسي مواجهًا لي، وعليه أثر جلوس دافئ.
جلست مرهقًا، فسمعت الصوت خلفي، قريبًا جدًا من أذني:
“كنت أظن أنك ستفهم أسرع.”
استدرت فلم أجد أحدًا، لكنني شعرت بثقل على الكرسي المجاور. فتحت دفتري، فوجدت سطرًا مكتوبًا بخط يدي لم أكتبه: "الليلة الثامنة – ياسين لم يخرج".
أغلقت الدفتر وأطفأت المصباح. الآن أكتب هذه السطور في الظلام، لأنني لم أعد أستطيع الوقوف. الخطوات خلفي بدأت تعدّ.
حاولت الصراخ فلم يخرج صوتي. تسلل برد غريب إلى عمودي الفقري، كأن أحدًا يجلس قريبًا جدًا ويتنفس هوائي. تذكرت كلام الجيران عن الرجل الذي اختفى، وأدركت أن البيت لا يطرد ضيوفه، بل يحتفظ بهم. كل ليلة يضيف ساكنًا جديدًا إلى سجله الصامت، وأنا الآن جزء من العدد محاصرًا إلى الأبد بين جدرانه الباردة.".