اتصال مجهول....قرية الظلال
اتصال مجهول..قرية الظلال
في ليلةٍ شاتية شديدة البرودة، غاب فيها ضوء القمر تماماً وكأن السماء ترفض مراقبة ما سيحدث، كان "سليم" يشق طريقه وحيداً خلف مقود سيارته المتهالكة، عابراً طريقاً صحراوياً مهجوراً يمتد كأفعى سوداء لا نهاية لها. لم يكن يحيط به سوى ظلامٍ دامس وكثيف، ظلام يبتلع ضوء المصابيح الأمامية الضعيفة قبل أن يقطع أمتاراً قليلة، بينما كان صوت الرياح العاتية يصفر في الخارج بقوة، وكأنها أرواح تائهة تهمس في أذنه بأسرارٍ قديمة مرعبة، محذرة إياه من إكمال الطريق نحو مصيره المجهول.
كان في طريقه إلى قرية نائية بعد أن تلقّى اتصالًا غريبًا من رقمٍ مجهول. الصوت في الهاتف كان ضعيفًا ومشوّشًا، لكنه سمع بوضوح جملة واحدة:
“تعال… نحن بانتظارك.”

في البداية، حاول "سليم" إقناع نفسه بأن الأمر لا يعدو كونه مزحة ثقيلة من أحد أصدقائه، أو ربما خطأً في شبكة الاتصالات، لكن شعوراً غامضاً وقبضةً باردة اعتصرت قلبه كانت تدفعه دفعاً للمجيء، قوة غير مرئية لا يجد لها تفسيراً منطقياً كانت تجره نحو مصيره.
وبعد ساعتين مضنيتين من القيادة وسط السكون القاتل، بدأت ملامح لافتة معدنية قديمة تظهر تحت ضوء مصابيح سيارته الباهت؛ كانت متآكلة وصدئة، كُتب عليها بخطٍ مهتز اسم القرية الذي سمعه في الاتصال. الغريب والمريب في الأمر أنه رغم وصوله، لم يلمح أي بصيص نور يوحي بحياة بشرية؛ فلا أضواء تنبعث من النوافذ، ولا أعمدة كهرباء تنير الطرقات، ولا حتى صوت نباح كلب ضال. لم يجد أمامه سوى بيوتٍ طينية مظلمة وجدرانٍ متشققة، صامتة كأنها مهجورة منذ عشرات السنين، أو كأنها قبورٌ جماعية تنتظر زوارها الجدد بصمتٍ مرعب.

أوقف السيارة ونزل ببطء. كان الصمت مخيفًا… صمتًا “حيًا”، كأن المكان يراقبه.
فجأة، سمع صوت خطوات خلفه.
التفت بسرعة… لا أحد.
عاد الصوت مرة أخرى، أقرب هذه المرة. خطوات بطيئة، ثقيلة، فوق الرمال.
“مين هناك؟!” صرخ سليم، لكن صوته بدا ضعيفًا كأنه ابتلعته الصحراء.
ثم رأى شيئًا… ظلًا طويلًا يتحرك بين البيوت، أطول من أي إنسان، ينحني بطريقة غير طبيعية.
بدأ قلبه يخفق بجنون.

ركض نحو سيارته، لكنه وجد بابها مفتوحًا… والمذياع يعمل رغم أنه كان مغلقًا. صوت التشويش تحول تدريجيًا إلى نفس الصوت الذي سمعه في الهاتف:
“تأخرت… كنا ننتظرك منذ زمن.”
تجمّد في مكانه.
ببطء… رفع عينيه إلى مرآة السيارة.
وكانت الصدمة…
لم يكن وحده.
كان هناك شخص جالس في المقعد الخلفي… وجهه شاحب، وعيناه سوداوان تمامًا، يبتسم ابتسامة واسعة غير بشرية.

ثم همس بصوتٍ قريب جدًا من أذنه:
“أنت من اتصل بنا… تذكّر.”
فجأة، اندفعت ذكريات غريبة إلى عقل سليم—طقوس، رموز، وأصوات ينطقها بنفسه… كأنه هو من استدعى هذا الشيء… لكنه نسي.
صرخ وحاول الهرب، لكن يده لم تعد تتحرك. جسده أصبح ثقيلًا… كأن شيئًا ما يسيطر عليه.
آخر ما رآه…
انعكاس وجهه في المرآة…
وقد تحوّلت عيناه إلى السواد الكامل.
وفي صباح اليوم التالي، مرّ مسافرون بالطريق نفسه.
وجدوا سيارة متوقفة… أبوابها مفتوحة…
ولا أثر لأي إنسان.
لكن على الزجاج الأمامي، كانت هناك جملة مكتوبة من الداخل:
“نحن بانتظار التالي.”
