همسات خلف الباب المغلق

همسات خلف الباب المغلق
في ليلة شتوية قاسية، كان الضباب يبتلع الشارع بالكامل، وكأن العالم اختفى خارج حدود ذلك الطريق المهجور. في نهايته، وقف منزل قديم، نوافذه مكسورة، وجدرانه متآكلة، وكأنه يحمل بداخله أسرارًا لا يريد أن يكشفها. لم يكن أحد يقترب منه، فقد ارتبط اسمه بالخوف والاختفاءات الغامضة.
لكن “آدم”، شاب في السابعة عشرة، لم يكن يؤمن بهذه الحكايات. كان يرى أن الخوف مجرد فكرة في العقول الضعيفة. لذلك قرر أن يدخل المنزل، ليثبت لنفسه وللآخرين أن كل ما يُقال مجرد خرافات.
عند منتصف الليل، وصل أمام الباب الحديدي. وضع يده عليه، فشعر ببرودة غير طبيعية. دفعه ببطء، فانفتح بصوت صرير طويل كأنه أنين قديم. دخل وهو يضيء الطريق بهاتفه، ليكشف عن ممر طويل مغطى بالغبار، وصور قديمة بوجوه غير واضحة.
كل خطوة كان يخطوها كانت تقابل بصوت صرير مزعج، وكأن الأرضية ترفض وجوده. فجأة، شعر بأن الجو أصبح أكثر برودة، وأن الصمت لم يعد طبيعيًا. ثم… سمعه.
همسات خافتة.
في البداية ظنها صوت الرياح، لكنه توقف عندما سمع اسمه بوضوح:
“آدم…”
تجمد مكانه. قلبه بدأ يخفق بقوة. نظر حوله، لكن لم يكن هناك أحد.
تقدم ببطء نحو مصدر الصوت، حتى وصل إلى باب صغير في نهاية الممر. كان مختلفًا، أقدم، ومغلقًا بإحكام. وضع يده على المقبض، فشعر وكأن شيئًا يتحرك خلف الباب.
فتح الباب ببطء شديد…
الداخل كان مظلمًا تمامًا.
سلّط ضوء الهاتف، فلم يرَ شيئًا. فقط فراغ… وصمت.
لكن فجأة، عاد الصوت، أقرب من أي وقت مضى.
“تعالى…”
انطفأ الهاتف فجأة.
أصبح الظلام كثيفًا لدرجة أنه لم يعد يرى يده. بدأ يسمع خطوات بطيئة تدور حوله، ثم شعر بأنفاس باردة تقترب من أذنه.
“أنت مش لوحدك…”
حاول الصراخ، لكن صوته لم يخرج. حاول الهروب، لكن قدميه لم تتحركا.
وفجأة… عاد الضوء.
وجد نفسه واقفًا في الممر، الباب مغلق، وكأن شيئًا لم يحدث.
ركض خارج المنزل دون أن يلتفت، وقلبه يكاد يخرج من صدره.
في اليوم التالي، حاول نسيان ما حدث له ليله امس. أقنع نفسه أنه كان تحت تأثير الخوف وكان ما حدث له خيال. لكنه لاحظ علامة غريبة على ذراعه… بصمة يد سوداء، لكنها ليست طبيعية، أصابعها طويلة بشكل غير إنساني.
مرت الأيام، لكن الشعور لم يختفِ. كان يسمع الهمسات كل ليلة، خاصة عندما يطفئ الأنوار.
“أنا هنا…”
وفي إحدى الليالي، استيقظ فجأة، على صوت خفيف داخل غرفته.
فتح عينيه ببطء…
ليجد الباب مفتوحًا.
رغم أنه أغلقه بنفسه.
ثم سمع نفس الهمسة، لكن هذه المرة لم تكن بعيدة…
بل بجانبه مباشرة.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد آدم يخاف من الظلام…
لأنه أدرك أن ما فيه… أصبح يعيش معه.