"حصاد الآردن: الجندي الذي لم يعد من الضباب".
"حصاد الآردن: الجندي الذي لم يعد من الضباب".

في قلب "غابة آردن" المظلمة، وخلال ذروة شتاء عام 1944 القارص، لم يكن الخوف من رصاص القناصة أو قذائف المدفعية هو ما جمد الدماء في عروق الفصيل رقم 9، بل كان شيئاً لا ينتمي لعالم الأحياء، شيئاً استيقظ من سباته بسبب رائحة الموت التي فاحت في الأرجاء. كانت السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة تحجب ضوء القمر تماماً، والبرد ينهش العظام بقسوة، محولاً أنفاس الجنود إلى سحب بيضاء تتلاشى في ظلام الأشجار الشاهقة التي بدت وكأنها قضبان سجن طبيعي يحاصرهم من كل جانب.
بدأت الكارثة عندما اختفى الجندي "ميلر" أثناء نوبة حراسته المتأخرة دون أن يصدر صرخة واحدة. لم يوجد أي أثر لاشتباك أو محاولة للدفاع عن النفس؛ فقط بندقيته الملقاة على الثلج الملطخ ببقعة زيت غامضة، وبجانبها آثار أقدام ضخمة وغير متساوية تنتهي فجأة وكأن صاحبها قد تبخر في الهواء. ساد صمت مطبق ومريب، حتى بدأ الرقيب "هاردين" يسمع صوتاً يشبه كشط الأظافر الحادة على المعدن الصدئ، صوتاً آتياً من الأعلى، من بين أغصان الأشجار المتشابكة التي بدأت تهتز بعنف غير طبيعي.
عندما وجه الجنود مصابيحهم نحو الأعالي، تجمدت الأنفاس في الصدور من هول المشهد. كانت هناك جثث لجنود من كلا الطرفين المتحاربين، معلقة من أعناقهم بأسلاك شائكة قديمة، تتحرك ببطء مع الريح كأنها دمى بائسة. كانت وجوههم خالية تماماً من العيون، وجلودهم شاحبة لدرجة أنها تكاد تكون شفافة، وكأن شيئاً ما قد امتص حياتهم بالكامل. وفجأة، وبدون سابق إنذار، انطفأت المصابيح كلها في وقت واحد، وغرق الفصيل في ظلام دامس لا يرى المرء فيه يده.
وسط هذا السواد، زحف ضباب رمادي كثيف غطى المكان تماماً، وبدأت أصوات همسات غير مفهومة تملأ الأرجاء، تلتها أصوات خطوات ثقيلة تقترب وتبتعد من كل الاتجاهات. شعر من تبقى من الجنود ببرودة قاتلة تجتاح المكان، وعندما حاولوا التماسك، رأوا ظلالاً غامضة تتحرك بين الأشجار، كيانات شاهقة لا ملامح لها سوى عيون تشع بضوء خافت يتراءى من خلف الضباب. كانت تلك الكيانات تتحرك بصمت مهيب، وكأنها حراس لمقبرة جماعية قديمة استيقظوا لحماية حدودهم من المتسللين.
حاول الجنود التراجع، لكن الغابة بدأت تتغير من حولهم؛ المسارات التي سلكوها اختفت، والأشجار بدأت تتشابك لتغلق كل مخارج الطوارئ. لم تكن الأسلحة تجدي نفعاً ضد الظلام الذي بدا وكأنه يبتلع كل بصيص أمل. تعالت أصوات الريح لتغطي على نداءاتهم، وبدأت أجسادهم تشعر بثقل غريب وكأن الأرض تجذبهم نحو الأسفل. ساد شعور بأن المكان يرفض وجودهم، وأن الغابة قررت الاحتفاظ بأسرارها وأسرار من دخلها إلى الأبد.
بحلول الفجر، لم يجد فريق البحث أي أثر للفصيل رقم 9، باستثناء معداتهم التي تركت مرتبة في دائرة مثالية وسط الثلج الذي لم يطأه أحد. وعلى جذع شجرة ضخمة، كانت هناك علامات قديمة تشبه الرموز المنسية، توحي بأن هذا المكان شهد أحداثاً تتجاوز حدود الحرب والزمان. حتى يومنا هذا، تظل تلك البقعة من الغابة مهجورة، حيث يروي العابرون قصصاً عن جنود يظهرون في الليالي المظلمة، يكملون مسيرتهم في صمت، محاصرين في لحظة زمنية لا تنتهي.