الفصل الثالث: الوعي الواحد (النهاية)

الفصل الثالث: الوعي الواحد (النهاية)
القاهرة لم تعد المدينة التي يعرفها محمود.
في غضون ساعات، تحولت شوارعها إلى مذبحة حية. الشمس تغرب خلف الأفق الملبد بالدخان، وصوت الصراخ يتردد بين المباني القديمة كأن المدينة نفسها تتألم.
محمود كان يركض في حارة ضيقة خلف شارع رمسيس، قلبه يدق كطبول حرب. يده اليمنى ممزقة من كتف إنسان–كان–يحاول التهامه قبل دقائق. الدم يسيل بغزارة، لكنه لم يعد يشعر بالألم. الخوف أكبر.
"يا رب... يا رب..." يهمس وهو يقفز فوق جثة امرأة ممزقة البطن، أمعاؤها منتشرة على الأرض كأشرطة حمراء لامعة. عيناها البيضاء لا تزالان مفتوحتين، وفمها يتحرك ببطء وكأنها لا تزال جائعة حتى بعد الموت.
فجأة... توقفت كل الأصوات.
ثم بدأت.
همس جماعي.
آلاف الأصوات في رأسه في الوقت نفسه:
"نراك…
نشم ريح دمك…
اقترب…
أنت الباب الثاني..."
ركب محمود على ركبتيه، يضغط أذنيه بكفيه. الدموع تختلط بالعرق والدم.
“اخرجوا من دماغي
لكنهم لم يخرجوا.
بل أصبحوا أقوى.
في مستشفى المنيرة العام، تحول الطابق الثالث إلى جحيم.
الأطباء الذين حاولوا السيطرة على المريض رقم ١٢ أصبحوا الآن جزءاً من القطيع.

الدكتورة سارة–التي كانت قبل ساعة تنقذ حياة الناس–كانت الآن تقف عارية تماماً، جسدها مغطى بدماء زملائها. لحم فخذها ممزق، وعيناها بيضاء كاللبن الفاسد. كانت تمسك بذراع ممرضة شابة وتطحنها بأسنانها ببطء متعمد، كأنها تتلذذ بالمعاناة.
الدم يتدفق من فم الممرضة وهي تصرخ.
سارة رفعت رأسها، قطعة لحم تتدلى من شفتها السفلى، وابتسمت ابتسامة أحمد نفسها.
الوعي الواحد يتعلم.
محمود وصل إلى شقته في الدقي.
الباب كان مفتوحاً.
داخلها... والدته.
كانت تجلس على الأرض في الصالة، محاطة ببقايا والده.

رأس والده مفصول عن الجسد، لكن العينين لا تزالان تتحركان. الفك يفتح ويغلق ببطء.
"ماما...؟" صوته مكسور.
رفعت أمه رأسها ببطء.
عيناها بيضاء.
لكن على وجهها دموع حقيقية.
“محمود... يا حبيبي... أنا مش قادرة أوقفهم...”
صوتها كان صوتها، لكنه مختلط بمئات الأصوات الأخرى. “جوع... جوع... جوع...”
ثم انقضت عليه.
محمود دفعها بقوة، سقطت على الطاولة الزجاجية التي تحطمت. شظايا الزجاج دخلت ظهرها. لم تصرخ. بل ضحكت. ثم نهضت مرة أخرى، قطع الزجاج تخرج من لحمها وكأن الجسد يرفض الموت.
جرى محمود نحو غرفة نومه، أغلق الباب، ودفع الخزانة أمامه.
سمع أظافرها–أظافر أمه–تحك في الباب كالمخالب.
في الشارع، كانت المذبحة في أوجها.
سيارة ميكروباص مقلوبة، والركاب يحاولون الخروج من النوافذ المكسورة. لكن الزومبي كانوا ينتظرونهم في الخارج.
رجل سمين يحاول الزحف، ساقه مكسورة، وخلفه ثلاثة مصابين يجرون بسرعة غير طبيعية. أمسكوا به، مزقوا بطنه بأيديهم العارية، أخرجوا أمعاءه وهو يصرخ. واحد منهم عض في كبده مباشرة وهو لا يزال ينبض.
امرأة حامل كانت تجري حافية.
لحق بها طفل صغير (لا يتجاوز الـ١٠ سنوات) بعيون بيضاء. قفز على ظهرها وسقطا معاً. الطفل عض في رقبتها بعنف، الدم喷 مثل نافورة. حاولت الدفاع عن بطنها، لكن يديه الصغيرة مزقتها بقوة خارقة. أخرج الجنين وهو لا يزال حياً جزئياً... وأكله.
الدماء كانت تصب في الشارع كأنه مطر أحمر.
محمود فتح حاسوبه بيدين مرتجفتين.
كان يحاول إرسال رسالة أخيرة لأي أحد.
لكن الشاشة... تغيرت.
بدلاً من سطح المكتب، ظهرت صورة أحمد.
ابتسامته.
عيناه بيضاء تماماً.
وراءه، آلاف الأشكال البشرية تقف في الصحراء، صامتة، تنظر إلى الكاميرا.
ثم كتب أحمد (أو الشيء الذي كان أحمد):
"أنت لست ضحية يا محمود.
أنت البوابة الثانية.
الوعي يريدك."
فجأة انطفأت الأنوار في الشقة.
ثم عادت... بلون أحمر خافت.
سمع صوت خطوات في الصالة.
ثم صوت والدته... ووالده... وجيرانه... كلهم يهمسون بنفس النغمة:
"اقترب…
افتح الباب..."

في الخارج، كانت القاهرة تحترق.
الجيش حاول السيطرة، لكن الجنود أنفسهم بدأوا يتحولون بعد الإصابات الأولى.
دبابة واحدة كانت تطلق النار عشوائياً على الحشود، تمزق الأجساد إلى أشلاء، لكن الرؤوس المقطوعة كانت لا تزال تفتح أفواهها وت咬 الهواء.
طائرة هليكوبتر سقطت في ميدان التحرير، انفجرت، وخرج منها طيار مصاب يجري مشتعلاً، يحرق كل من يلمسه.
محمود فتح باب الشقة أخيراً.
كان الرده كله مليئاً بهم.
أمه، أبوه، الجيران، أطفال، نساء، رجال.
كلهم بعيون بيضاء.
كلهم يبتسمون بنفس الابتسامة.
تقدم أحمد من بينهم.
جسده كان متعفناً جزئياً، لكن يتحرك بسلاسة.
“مرحباً بالباب الثاني.”
مد أحمد يده.
محمود، وعيناه مليئتان بالدموع، مد يده أيضاً.
في اللحظة التي لمست فيها الأيدي…
انفجر الوعي.
رأى محمود كل شيء:
الجبال الشرقية... المختبر... التجربة... الإشارة التي أطلقتها أحمد قبل موته... كيف انتقلت عبر الموجات... كيف أصبحوا خلايا في كائن واحد عملاق.
وصرخ محمود صرخة لم تكن بشرية.
ثم ابتسم.
النهاية الحقيقية

بعد ثلاثة أيام، لم تعد هناك قاهرة.
كانت هناك "الكتلة".
كتلة واحدة من الملايين، تتحرك معاً، تتنفس معاً، تجوع معاً.
تمتد أذرعها نحو الإسكندرية... ثم الدلتا... ثم العالم.
وفي وسطها، محمود وأحمد جنباً إلى جنب.
عيونهما بيضاء.
يبتسمان.
والصوت الواحد يهمس للعالم كله:
"جوع…
جوع…
جوع..."