مشروع الظلام الأبدي: نهضة الجثث

الجزء الأول: الدعوة إلى الظلام
كان الدكتور أحمد الشرقاوي يظن أن حياته العلمية قد وصلت إلى ذروتها. بعد سنوات من البحث في علم إعادة تنشيط الخلايا في جامعة القاهرة، تلقى دعوة سرية لا تُرفض. عرض من جهة حكومية مشتركة بين مصر ودول أخرى يُدعى "مشروع الإنعاش المتقدم". المهمة: تطوير تقنيات جديدة لإنقاذ الجنود في ساحات المعارك.
وصل إلى المنشأة بعد رحلة استغرقت سبع ساعات في سيارة سوداء بدون نوافذ. كانت Facility-17 مدفونة بعمق 300 متر تحت جبال البحر الأحمر، بعيدًا عن أي حضارة. لا إشارات، لا أسماء، فقط أبواب حديدية ثقيلة وكاميرات تتابع كل خطوة.
في اليوم الأول، استقبلته الدكتورة سارة حسن، المديرة العلمية، امرأة في الأربعينيات ذات وجه شاحب وعيون باردة كالثلج.
“هنا لا نعيد الحياة للأحياء فقط، دكتور أحمد. نحن نحاول إعادة من تجاوز الموت تمامًا.”
ابتسم أحمد بتوتر. ظنها مزحة علمية. لكن عندما فتحت له الباب المعدني للقسم "B"، شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.

الغرفة كانت باردة بشدة. رائحة الفورمالين تخترق الرئتين. على طاولات معدنية لامعة، صفوف من الجثث البشرية مغطاة بأغطية بيضاء. أسلاك وأنابيب شفافة تخرج من صدورهم ورؤوسهم، وشاشات ترصد نبضات قلب خفيفة، غير طبيعية، تشبه الارتعاش أكثر من النبض.
"مرحبًا بك في مشروع الزومبي"، قالت سارة بهدوء مخيف.

الجزء الثاني: المليار الذهبي
بعد أسبوع من الدراسة والتكيف، دُعي أحمد إلى اجتماع سري في الغرفة الزجاجية. على الشاشة الكبيرة ظهر رجل يجلس في الظلام، وجهه مموه تمامًا. كانوا يسمونه "المليار الذهبي".
"البشرية ضعيفة وفانية"، قال الرجل بصوت مشوه إلكترونيًا. “الأمراض، الحروب، الشيخوخة... كلها تهدد وجودنا. مشروع الزومبي ليس مجرد تجربة. إنه مستقبل الجنس البشري. سنصنع جيشًا لا ينام، لا يأكل، لا يخاف الموت... لأنه مات بالفعل.”
كان التمويل هائلاً. ملايين الدولارات تتدفق من حسابات مصرفية سرية في سويسرا والإمارات. أحمد اكتشف أن المشروع ليس مصريًا بحتًا، بل جزء من شبكة دولية تضم علماء من أمريكا، روسيا، والصين.
في الليلة نفسها، أظهرت له سارة التجربة رقم 47.
كان الجسد على الطاولة رجلاً في الخمسينيات، متوفى منذ 72 ساعة. بعد حقن المادة الزرقاء الغامضة (التي أسموها "نكروسين-9")، بدأ الجسد يرتعش. العيون انفتحت فجأة، لكنها كانت بيضاء تمامًا، بدون بؤبؤ. حرك يده ببطء، ثم فتح فمه وأصدر صوتًا يشبه الهدير المنخفض.
أحمد شعر بالغثيان.
“هذا ليس إنعاشًا... هذا... انتهاك للطبيعة.”

الجزء الثالث: السر المظلم
مع مرور الأيام، بدأ أحمد يكتشف الحقيقة الكاملة. "نكروسين-9" لم يكن مجرد مركب كيميائي. كان مزيجًا بين تقنية جينية متقدمة وشيء آخر... شيء قديم ومظلم. سارة اعترفت له في إحدى الليالي، بعد كأسين من الويسكي:
“نحن لا نعيد الحياة فقط. نحن نستدعي شيئًا ما داخل الجسد. شيئًا كان نائمًا منذ آلاف السنين.”
اكتشف أحمد ملفات محظورة: تجارب سابقة فشلت بشكل مرعب. في تجربة رقم 19، نهض الجثمان ومزق ثلاثة علماء قبل أن يتم إحراقه. في تجربة 33، بدأ الجثمان يتكلم بلغة قديمة غير معروفة، ثم انفجر رأسه فجأة.
كان المشروع يتطور بسرعة. المليار الذهبي أراد تجربة كبرى: إحياء 50 جثة دفعة واحدة في غرفة الاختبار الرئيسية.
أحمد حاول الانسحاب، لكن سارة أخبرته بهدوء:
“لا أحد يخرج من Facility-17 إلا بعد انتهاء المشروع... أو ميتًا.”

الجزء الرابع: ليلة النهضة
جاءت الليلة الموعودة في 29 أبريل.
كانت غرفة الاختبار الرئيسية عبارة عن قاعة ضخمة مضاءة بأضواء نيون حمراء وبيضاء. 50 جثة موضوعة في صفوف منتظمة، مربوطة بأجهزة معقدة. عندما تم حقن "نكروسين-9" في الوريد الرئيسي للجميع، بدأت الأرض ترتجف قليلاً.
في البداية، كان هناك صمت مرعب.
ثم... صوت.
صوت أظافر تخدش المعدن.
صوت أجساد تتحرك ببطء على الطاولات.
صوت أنفاس ثقيلة، جافة، كأنها تأتي من حناجر مليئة بالتراب.
فتحت العيون. خمسون زوجًا من العيون البيضاء الميتة.
سارة كانت تبتسم: “نجحنا...”
لكن أحمد لاحظ شيئًا مختلفًا هذه المرة. لم يكن الارتعاش الطبيعي. كان هناك ذكاء غريب في تلك العيون. كأن شيئًا آخر ينظر من خلالها.
فجأة، انقطعت الكهرباء لثوانٍ. وعندما عادت، كان أحد الجثث قد قطع الأحزمة ووقف على قدميه.
ثم بدأ الصراخ.

الجزء الخامس: الجحيم يستيقظ
اندلع الرعب في لحظات.
الكائن الأول هاجم أقرب فني، عضه في الرقبة بقوة لا تُصدق، ممزقًا اللحم والشريان. الدم انفجر في الهواء. خلال دقائق، نهض باقي الـ"أحياء الميتون" وانقضوا على العلماء والحراس.
كانوا سريعين بشكل غير طبيعي. لم يمشوا ببطء كما في الأفلام. كانوا يركضون، يقفزون، يمزقون بأيديهم وأسنانهم.
أحمد ركض مع سارة نحو غرفة السيطرة. أغلقوا الباب الحديدي خلفهم، لكن الصراخ كان يأتي من كل مكان. على الشاشات، شاهدوا الجثث تنهش في أجساد زملائهم. وكل من يُعض... يموت... ثم ينهض بعد دقائق قليلة فقط.
"الفيروس ينتقل باللعاب والدم!" صاح أحمد. “هذا ليس زومبي... هذا شيء أسوأ!”
سارة كانت ترتجف. لأول مرة رآها أحمد خائفة حقًا.
“المليار الذهبي... كان يعرف. قال إن هناك احتمالية... لكننا لم نصدق.”

الجزء السادس: الهرب المستحيل
استطاع أحمد وسارة الوصول إلى ممر الطوارئ السري. كان عليهم عبور ثلاثة مستويات للوصول إلى المصعد الرئيسي.
في المستوى الثاني، واجهوا أول مواجهة مباشرة.
كانت امرأة في الثلاثينيات، كانت تعمل ممرضة في المنشأة. الآن كانت عارية تمامًا، جسدها ممزق، عيونها بيضاء، وفمها مفتوح يسيل منه دم أسود. هاجمتهم بسرعة مرعبة. أحمد ضربها بماسورة حديدية على رأسها، لكنها لم تسقط. استمرت في الهجوم حتى قطع رأسها تمامًا.
"لا يموتون إلا إذا دمرت الدماغ!" صاح أحمد وهو يلهث.
مع كل خطوة، كان عدد "الأحياء الميتين" يزداد. كانوا يصدرون أصواتًا غريبة، مزيج بين الأنين والهدير والكلمات المشوهة التي تشبه اللغة العربية القديمة.
في المستوى الثالث، انفصلت سارة عن أحمد. سمعه يصرخ اسمها، لكنها لم ترد. عندما عاد للبحث عنها، وجدها... أو ما تبقى منها. كانت ملقاة على الأرض، وثلاثة زومبي ينهشون في بطنها. عيناها كانتا لا تزالان مفتوحتين، تنظران إليه بيأس قبل أن تتحول إلى بياض الموت.

الجزء السابع: الصوت من الظلام
وصل أحمد أخيرًا إلى غرفة الاتصال. حاول إرسال إشارة طوارئ، لكن النظام كان معطلاً. وجد تسجيلًا صوتيًا للمليار الذهبي موجهًا إليه شخصيًا:
“إذا وصلت إلى هنا، فأنت آخر من تبقى. المشروع نجح أكثر مما كنا نتمنى. الآن هم أحرار. إذا استطعت الخروج... أحرق كل شيء. لا تدع أحداً يعرف.”
فجأة، انطفأت الأنوار تمامًا. في الظلام، سمع أحمد أصوات أقدام كثيرة تقترب.
بدأ يركض نحو المصعد. دمه يغلي من الرعب. عندما وصل إلى المصعد، ضغط الزر بقوة. الأبواب بدأت تغلق ببطء... ببطء شديد.
يد ممزقة دخلت بين الأبواب في اللحظة الأخيرة.

الجزء الثامن: الخروج إلى العالم
استطاع أحمد الوصول إلى سطح المنشأة بعد معركة دامية. قتل أربعة منهم باستخدام مسدس حارس أمني وماسورة حديدية. جسده مليء بالجروح والخدوش.
خرج إلى الهواء الطلق ليلاً. السماء صافية، والنجوم تتلألأ فوق الجبال. للحظة، شعر بالأمل.
لكن عندما نظر خلفه، رأى عشرات الأشكال تخرج من فتحات المنشأة، تسير ببطء نحو الصحراء.
كان يعرف أن أقرب قرية تبعد 40 كيلومترًا فقط.
جلس على الأرض، يلهث، وأخرج هاتفه الذي كان قد سرقه من غرفة الاتصال. كانت البطارية على وشك النفاد.
كتب رسالة قصيرة إلى صديقه القديم في القاهرة:
"إذا وصلتك هذه الرسالة... لا تذهب إلى الجبال الشرقية.
مشروع الزومبي نجح.
هم قادمون."
ثم أرسل الإحداثيات.
فجأة، سمع صوت أنفاس ثقيلة خلفه.
استدار ببطء.
كان هناك طفل صغير، لا يتجاوز العشر سنوات، يقف أمامه. جسده شاحب، عيونه بيضاء تمامًا، وفمه ملطخ بالدم.
ابتسم الطفل ابتسامة عريضة غير طبيعية، وهمس بصوت يشبه صوت مئات الأشخاص معًا:
“جوع...”
تراجع أحمد خطوة إلى الخلف، يلهث، وقلبه يكاد يخرج من صدره.
رفع المسدس بيد مرتعشة، ووجهه نحو رأس الطفل.
"أنا آسف..." همس.
لكن الطفل لم يهاجم.
بل بدأ يمشي نحوه ببطء... بثقة غريبة.
وفجأة…
توقف.
ثم رفع رأسه نحو السماء، وكأنه يستمع لشيء لا يُسمع.
ثانية واحدة من الصمت…
ثم —
جاء الرد.
من داخل الجبال…
من أعماق المنشأة…
من كل اتجاه حوله…
أصوات.
عشرات... بل مئات الأصوات، تهمس بنفس الكلمة:
“جوع...”
اتسعت عينا أحمد وهو يدرك الحقيقة المرعبة.
لم يكونوا مجرد كائنات منفصلة…
كانوا شيئًا واحدًا.
وعي واحد... ينتشر... يتكاثر... ويتعلم.
الطفل نظر إليه مرة أخرى، وابتسامته اتسعت بشكل غير طبيعي.
ثم قال:
“أنت... الباب.”
في لحظة، اندفع نحوه بسرعة غير بشرية.
دوّى صوت الطلقة في الصحراء.
ثم سكون.
بعد دقائق…
كانت الصحراء هادئة من جديد.
الرياح تحرك الرمال برفق، كأن شيئًا لم يحدث.
هاتف أحمد سقط على الأرض، شاشته مكسورة…
لكن الرسالة كانت قد أُرسلت.
على الشاشة، ظهر إشعار صغير:
“تم التسليم.”
وفي القاهرة…
رن الهاتف.
نهاية الفصل الاول