سجن المرآة العمياء
سجن المرآة العمياء

الفصل الأول: الميراث المنسي
لم يكن "ياسين" يؤمن بالخرافات، لكنه حين وطئت قدماه ذلك القصر القديم الذي ورثه عن عمه غريب الأطوار، شعر ببرودة غير طبيعية تخترق عظامه. كان القصر يقع في أطراف القرية، محاطاً بأشجار ميتة تبدو وكأنها أذرع استغاثة تجمدت في الهواء.
في الطابق العلوي، وتحديداً في غرفة النوم الرئيسية، كانت هناك مرآة ضخمة مغطاة بقطعة قماش سوداء سميكة. وصية عمه كانت غريبة: "لا تكشف وجه المرآة أبداً، وإن فعلت، فلا تنظر إلى عينيك فيها لأكثر من عشر ثوانٍ".
الفصل الثاني: الفضول القاتل
في الليلة الثالثة، ومع هبوب عاصفة رعدية هزت أركان القصر، استسلم ياسين لفضوله. نزع القماش الأسود ببطء. كانت المرآة ذات إطار نحاسي قديم محفور عليه رموز غير مفهومة. للوهلة الأولى، لم يظهر فيها سوى انعكاسه الشاحب تحت ضوء الشمعة.
بدأ ياسين يحدق في عينيه. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. في الثانية السابعة، لاحظ شيئاً غريباً؛ انعكاسه في المرآة لم يرمش حين رمش هو. وفي الثانية العاشرة، ابتسم الانعكاس ابتسامة عريضة وصلت إلى أذنيه، بينما كان وجه ياسين الحقيقي يتجمد من الرعب.
الفصل الثالث: تبدل الأدوار
حاول ياسين التراجع، لكنه وجد نفسه غير قادر على تحريك قدميه. فجأة، بدأت يده تنقبض وتنبسط دون إرادته. صرخ، لكن صوته خرج من المرآة وليس من حنجرته! أدرك ياسين الكارثة؛ الانعكاس بدأ يسحب جوهره إلى الداخل.
رأى نفسه من الخارج وهو يمد يده "الحقيقية" ليلمس سطح الزجاج البارد. وفجأة، شعر بجسده ينسحق، وكأنه يُعصر داخل أنبوب ضيق، ليجد نفسه فجأة داخل عالم باهت، رمادي، وصامت. كان ينظر من خلف الزجاج إلى غرفته، بينما كان "ياسين الآخر" يقف في الغرفة، يرتدي ملابسه ويعدل شعره ببرود.
الفصل الرابع: السجن الزجاجي
تحول القصر بالنسبة لياسين إلى سجن شفاف. كان يرى "النسخة الأخرى" منه وهي تعيش حياته، تتحدث مع أصدقائه في الهاتف، وتأكل طعامه، بل وتعيد تغطية المرآة بالقماش الأسود لتقطع عنه كل أمل في التواصل.
في هذا العالم الزجاجي، لم يكن ياسين وحده. بدأت تظهر من حوله أشباح لأشخاص آخرين؛ كان عمه أحدهم! كان العم يجلس في زاوية الانعكاس، عيونه مفقودة، ويهمس بكلمات محطمة: "لقد حذرتك يا بني.. نحن الآن مجرد ذكريات محبوسة في الفضة".
الخاتمة: زائر جديد
مرت شهور، وفي ليلة ممطرة أخرى، سمع ياسين صوتاً مألوفاً. كانت "النسخة الأخرى" تعيد كشف المرآة. رأى ياسين خطيبته "ليلى" تدخل الغرفة وهي تبكي، تسأل "ياسين المزيف" عن سبب تغيره وجفائه.
ابتسم المزيف بخبث وقال لها: "لقد ورثتِ عني هذه المرآة يا ليلى، ألا تودين رؤية جمالكِ فيها؟ حدقي جيداً.. لا ترفعي عينيكِ عنها". صرخ ياسين بكل قوته، ضرب الزجاج بقبضتيه، لكن ليلى لم تسمع سوى صوت رنين خفيف في أذنيها، بينما بدأت تعدّ: "واحد.. اثنان.. ثلاثة..".