انعكاس في عيون الموتى

انعكاس في عيون الموتى

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about انعكاس في عيون الموتى

انعكاس في عيون الموتى

لم تكن المرآة مجرد قطعة أثاث عادية؛ كانت إطارًا خشبيًا منحوتًا بدقة غريبة، يصور أفاعي تلتف حول بعضها البعض، وزجاجًا يميل لونه إلى الرمادي الباهت. عندما وضعها "آدم" في غرفة نومه، شعر ببرودة غير مبررة تجتاح المكان، لكنه أرجع ذلك لمجرد نسمات الهواء الليلية.

​في الليلة الأولى، بدأ الأمر بخدوش بسيطة. صوت يشبه احتكاك الأظافر بالزجاج. استيقظ آدم مفزوعًا، لكن الغرفة كانت ساكنة. نظر إلى المرآة، فرأى وجهه الشاحب، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا: انعكاسه في المرآة لم يكن يرمش في نفس اللحظة التي يرمش فيها هو. كان هناك تأخير بجزء من الثانية، كما لو أن الشخص الذي بالداخل يراقب ردود أفعاله أولًا ثم يقلدها.

​حاول آدم إقناع نفسه بأنه مجهد، لكن في الليلة الثانية، تطور الأمر. بينما كان يغسل وجهه، نظر إلى المرآة ليرى "آدم الآخر" يبتسم له.. ابتسامة عريضة جدًا، أوسع مما يمكن لبشري أن يفعل، كشفت عن أسنان مدببة خلف شفتيه. صرخ آدم وتراجع للخلف، ليرى الانعكاس يعود لحالته الطبيعية ببرود شديد، وكأن شيئًا لم يكن.

​قرر آدم تغطية المرآة بقطعة قماش سوداء، لكنه بمجرد أن اقترب منها، شعر بيد باردة تمسك بمعصمه من تحت القماش. لم تكن يدًا من الخارج، بل كانت ضغطة تأتي من "داخل" الزجاج. تجمدت الدماء في عروقه عندما سمع همسًا يخرج من خلف الزجاج، صوت يشبه صوت حفيف الأشجار الجافة:

​"مكانك دافئ جدًا.. أريد أن أجربه."

​في نوبة ذعر، أمسك آدم بكرسي حديدي وقذفه بكل قوته نحو المرآة. تحطم الزجاج إلى آلاف الشظايا، لكن بدلاً من أن يشعر بالراحة، حدث ما هو أسوأ. كل شظية سقطت على الأرض لم تعكس الغرفة، بل كانت تعكس "عينًا" واحدة تراقب آدم.

​الغرفة الآن امتلأت بمئات العيون التي ترمش في وقت واحد من على الأرض. فجأة، بدأت الشظايا تتحرك وتتجمع مع بعضها البعض لتشكل هيئة بشرية مشوهة مصنوعة من الزجاج المكسور. وقف الكائن الزجاجي أمام آدم، وكان يلمع بضوء القمر الشاحب.

​لم يستطع آدم الصراخ؛ فقد خانته حباله الصوتية. مد الكائن يده "الزجاجية" ولمس وجه آدم، وبدأت ملامح آدم تتلاشى وتتحول إلى مادة شفافة باهتة، بينما بدأ الكائن يكتسب لون البشرة والدفء.

​في الصباح، دخلت مديرة المنزل لتنظيف الغرفة. وجدت الغرفة مرتبة تمامًا، والمرآة معلقة في مكانها سليمة تمامًا، كأنها لم تُكسر قط. وقف آدم أمام المرآة يمشط شعره بهدوء، ثم نظر إلى المديرة وابتسم لها ابتسامة عريضة.. عريضة جدًا.

​أما آدم الحقيقي، فكان يقف خلف الزجاج، يضرب بقبضتيه الشفافتين على سطح المرآة البارد، يصرخ بلا صوت، يشاهد حياته وهي تُسرق منه، بينما لا يرى العالم منه سوى "انعكاس" باهت في زاوية منسية من الزجاج الرمادي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود عدلي تقييم 0 من 5.
المقالات

5

متابعهم

0

متابعهم

0

مقالات مشابة
-