حكايات روني / الفصل العاشر(الأخير):مجموع كل هؤلاء.
حكايات روني / الفصل العاشر(الأخير):مجموع كل هؤلاء.
مرت السنوات...
كما تمر دائمًا. بهدوء...
دون أن نشعر.
كبر الطفل...
الذي كان يخاف من المدرسة.
والذي كان يظن...
أن أباه...
رجلٌ عادي.
وكبرت معه...
كل البذور...
التي زرعها الناس...
في قلبه. ...
لم أصبح... نسخةً من أبي.
ولا نسخةً من أمي.
ولا نسخةً من أحد.
بل أصبحت..
اجتمع من الجميع.
كل واحدٍ منهم...
ترك فيَّ شيئًا.
ورحل.
أما أبي...
فلم يعلمني بالكلام...
بل علمني بعمرٍ كاملٍ عاشه أمامي.
علمني...
أن الرجولة...
ليست في قوة الصوت...
بل في طيبة القلب.
وعلمني...
أن الرجل لا تُقاس قيمته...
بمنصبه...
ولا بماله...
بل بعدد القلوب...
التي تشعر بالأمان...
وهو بينها.
رأيته...
يبرُّ أمه...
ويحنو على إخوته...
ويعتبر مشاكل أهله...
كأنها مشاكله.
لم يكن يقول...
إن صلة الرحم واجبة.
بل كان يعيشها...
كل يوم.
ورأيته...
يواسي الحزين...
ويزور المريض...
ويحفظ الأمانة...
ويعفو إذا استطاع...
ولا ينتظر شكرًا من أحد.
وحين كبرت...
اكتشفت...
أن أكثر ما ورثته عن أبي...
لم يكن اسمه...
ولا ملامحه...
بل قلبه.
فكلما وقفت يومًا...
أصلح بين اثنين...
أو خففت عن مهموم...
أو وصلت رحمًا...
أو أحسنت إلى إنسان...
وجدتني أفعل ذلك...
دون أن أشعر.
ثم أبتسم...
وأقول في نفسي:
"يبدو أن شيئًا من أبي... ما زال يعيش بداخلي."
أما أمي...
فكانت... أجمل امرأةٍ رأتها عيناي.
ولم تكن جميلة...
لأن ملامحها كانت جميلة فقط.
بل لأن قلبها... كان أجمل.
كانت تهتم... بكل تفاصيلي.
تسرح شعري... وكأنها ترسم لوحة
. وتختار لي ملابسي... وكأنها تختارها لابنها الوحيد في الدنيا.
كانت تريدني دائمًا...
أنيقًا... مرتبًا... جميلًا.
حتى قبل أن أخرج من البيت...
كانت تنظر إليَّ... وتبتسم في رضا
. وكأن أناقتي... كانت تسعدها أكثر مني.
لكن أعظم ما تعلمته منها...
لم يكن الاهتمام بالمظهر.
بل الاهتمام بالأصل.
فقد كانت تعيش...
وهي تردد دائمًا:
"أنا بنت أبويا."
لم تكن تقولها فخرًا باسم عائلتها.
بل فخرًا...
بالمبادئ... والأخلاق... والتربية...
التي زرعها فيها أبوها.
وحين كبرت..
. فهمت..
. أن الإنسان... إذا كان يفخر بأبيه...
فسيسعى... أن يجعل أبناءه..
. يفخرون به يومًا.
وربما...
لهذا السبب...
كانت أمي... تريدني دائمًا...
أن أكون... ابن أبي
أما جدي لأبي...
فلم يعلمني الصلاة..
. بل علمني...
كيف أحبها.
كان يأخذني معه إلى المسجد...
ويمسك بيدي...
وكأن طريق المسجد...
هو أول طريقٍ إلى الحياة.
علمني الوضوء...
وأذكار الصلاة...
وكان يقول لي وأنا ساجد:
"قل: سبحان ربي الأعلى... فلا أحد أعلى من الله."
ومن يومها...
كلما سجدت...
تذكرت صوته
. علمني أن الأذان...
يعني أن كل شيء ينتظر... إلا لقاء الله.
وحين كبرت...
أدركت...
أن أول بذرة إيمان...
زُرعت في قلبي..
. لم يزرعها كتاب...
بل زرعتها يد جدي...
وهو يأخذني إلى أول صلاة
أما جدتي لأبي...
فكانت... أحنَّ قلبٍ عرفته.
علمتني... أن الاحترام... لا يفرق بين ابنٍ وابنة...
ولا بين زوجة ابن... وزوجة ابنٍ آخر.
كانت تعامل أمي... وزوجة عمي... بقلبٍ واحد.
ففهمت...
أن العدل... يبدأ من البيت.
وكان حضنها... ووسادتها... قدماها.
كلما وضعت رأسي عليهما...
شعرت...
أن الدنيا... أصبحت أخف.
أما جدي لأمي...
فعلمني...
أن الحكمة... هي أن ترى ما لا يراه الناس.
كان يتعمق... في كل إنسانٍ يقابله.
لا يحكم عليه...
بملابسه... ولا بماله... ولا بمنصبه.
بل بأخلاقه... ومعدنه.
ومن خلاله... تعلمت...
أن أقترب ممن يشبهون قيمي...
ويضيفون إلى حياتي خيرًا.
وأبتعد... عمن يختلفون مع مبادئي...
دون كراهية... أو إساءة.
وحين كبرت...
أدركت...
أن أعظم قرار... قد يتخذه الإنسان.
.. ليس اختيار طريقه...
بل اختيار...
من يسير معه فيه.
أما جدتي لأمي...
فكانت... وطنًا صغيرًا...
أهرب إليه كلما أخطأت.
إذا غضبت مني أمي...
جريت إليها.
فتفتح ذراعيها...
وكأنها تقول: "تعال... أنا معاك."
كانت تدللني كثيرًا...
وتدافع عني...
وتغضب... إذا رأت أحدًا يحزنني.
ولم أرَ في حياتي...
إنسانًا يخاف على من حوله... كما كانت تخاف هي
. كانت تقلق...
إذا تأخر أحد.
وتدعو...
قبل أن يخرج...
وقبل أن يعود
أما خالي...
فعلمني...
أن الشياكة...
ليست في ثمن الملابس.
بل في حسن اختيارها.
كنت أنتظر كل مرحلةٍ جديدة...
لأذهب معه... فيختار لي ملابسي.
وكان يعلمني... كيف تتناسق الألوان.
وكيف يكون العطر...
كان يحب الماركات...
أما أنا...
فلم أكن أستطيع شراء كل ما يشتريه.
لكنني تعلمت منه...
أن الأناقة... لا تحتاج مالًا كثيرًا.
بل تحتاج ذوقًا.
حتى في أبسط ما أملك...
تعلمت... كيف أجعله... يليق بي.
وحين كبرت...
أدركت..
. أن الإنسان... لا يرتدي ثيابه... ليلفت أنظار الناس.
بل ليرى نفسه... بالصورة التي يحبها.
أما ميس هويدة...
فكانت...
أول معلمة... علمتني... أن المعلم... لا يغيّر الكتب فقط.
بل قد يغيّر...
قلب طفل.
حين رأتنا حزينين...
لأننا لم ننضم إلى فريق المدرسة...
لم تعدنا...
بأن الدنيا ستكون عادلة.
بل علمتنا... أن الظلم... قد يؤخر الفرصة... لكنه لا يمنع النجاح.
ومنها تعلمت...
أن كلمةً طيبة... قد تعيش... في ذاكرة طفل...
أكثر من سنواتٍ من الدراسة.
أما محمد...
فكان...
أول صديق... شعرت معه...
أن الصداقة... ليست في كثرة الكلام.
بل في صدق المواقف.
كبرنا... وحلمنا... وخسرنا معًا. وفرحنا معًا.
ولم يحاول يومًا...
أن يسبقني...
بل كان دائمًا... يمشي بجواري.
ومن محمد...
تعلمت...
أن الصديق الحقيقي...
ليس من يصفق لك..
. عندما تنجح.
بل من يبقى بجانبك...
حين لا يراك أحد.
أما أنا...
فلم أولد... بهذه الشخصية.
ولم أصبح... هذا الإنسان...
في يومٍ واحد.
بل كنت... مجموع... كل من مروا بحياتي.
في كل واحدٍ منهم... ترك بذرة.
وفي كل موقف... تركت الأيام أثرًا.
كبرت...
فوجدت في قلبي... شيئًا من أبي.
وشيئًا من أمي.
وشيئًا من جدي.
وشيئًا من جدتي.
وشيئًا من خالي.
وشيئًا من معلمتي.
وشيئًا من صديقي.
حتى أصبحت... أنا.
ولهذا... كلما رأيت طفلًا...
تذكرت نفسي.
وعرفت...
أن الأطفال..
لا يولدون صالحين...
ولا فاسدين.
بل نحن...
من نكتب...
أول سطور شخصياتهم.
فكل كلمة...
وكل تصرف...
وكل موقف...
قد يظل يعيش...
داخلهم...
سنواتٍ طويلة.
فاحرص...
أن تكون...
في حياة طفل... ذكرى... يتمنى أن يشبهها...
لا ذكرى... يحاول أن ينساها.
... وإذا سألتني اليوم... من الذي ربّى روني؟
فسأجيبك...
لم يربِّه أبوه وحده... ولا أمه وحدها..
. بل ربّاه...
كل قلبٍ صادق..
. مرّ في حياته.
فانتبهوا...
فربما...
يجلس الآن...
طفلٌ صغير...
يكتبكم... في ذاكرته...
دون أن تشعروا.
كبرت...
واكتشفت...
أن الإنسان... لا تصنعه المدرسة وحدها.
ولا البيت وحده.
ولا الأصدقاء وحدهم.
بل يصنعه..
. كل من يمر... في رحلته.
ولهذا...
أقول لكل أب...
وأم...
ومعلم...
وجد...
وجدة...
وكل إنسان...
قد يظن..
. أنه لم يفعل شيئًا مهمًا.
أنتم... لا تعلمون... كم بذرةً... زرعتم... في قلب طفل.
فانتبهوا..
. لما تزرعونه.
لأن الأطفال..
لا يتذكرون...
كل الكلمات
. لكنهم...
لا ينسون أبدًا...
كيف جعلتموهم يشعرون.
انتهت حكايات روني...
لكن رحلة كل طفل...
ما زالت تبدأ...
من البيت
