سرداب المملكة المنسية ( الجزي الثاني )

سرداب المملكة المنسية (الجزء الثاني)
في أعماق الأرض أسفل قصر مهجور، يكتشف أربعة أصدقاء سردابًا غامضًا يقود إلى مملكة كاملة لم تُذكر في أي كتاب تاريخ. لكن هذه المملكة ليست كما تبدو؛ فخلف قصورها الذهبية وسكانها الصامتين يختبئ سر مرعب عمره آلاف السنين، وسرعان ما يجد الأصدقاء أنفسهم في مواجهة ملك لا ينبغي أن يستيقظ أبدًا.
مملكة الظلال تحت السرداب
تراجع الأصدقاء للخلف في رعب وهم ينظرون إلى الرجل العملاق فوق البرج الأسود.
كانت ابتسامته غير طبيعية.
ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا يعرفه أحد غيره.
وفجأة…
اختفى.
كأنه لم يكن موجودًا من الأساس.
لكن قبل أن يستوعبوا ما حدث، بدأت أجراس ضخمة تدق في أنحاء المملكة.
دقات بطيئة وثقيلة.
ومع كل دقة كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم.
ثم بدأ سكان المدينة بالتحرك نحوهم.
آلاف الأشخاص.
ببطء في البداية.
ثم أسرع.
وأسرع.
حتى تحول المشهد إلى كابوس حقيقي.
صرخ أحمد:
“اجرووو!”
وانطلق الجميع بين الشوارع الحجرية.
لكن المدينة كانت كالمتاهة.
كل شارع يقود إلى شارع آخر.
وكل زقاق ينتهي بطريق مسدود.
وفجأة اختفى كريم.
كان يسير بجوارهم.
ثم لم يعد موجودًا.
اختفى كأنه تبخر.
توقف عمر وهو يلهث:
“كريم!”
لكن لم يرد أحد.
فقط صدى صوته الذي تردد في الشوارع المظلمة.
واصل الأربعة الهروب حتى دخلوا مبنى قديمًا يشبه المكتبة.
وأغلقوا الأبواب خلفهم.
كان المكان مليئًا بالكتب السوداء.
والغبار يغطي كل شيء.
لكن شيئًا جذب انتباه محمود.
كتاب ضخم فوق منصة حجرية.
فتحوه بسرعة.
وبدأت الصفحات تقلب نفسها وحدها.
حتى توقفت عند صفحة معينة.
كانت تحتوي على رسم للمدينة.
ورسم لخمسة شباب.
مطابقين لهم تمامًا.
شحب وجه ياسين.
وقال:
“إزاي؟!”
ثم قرأ السطر المكتوب أسفل الصورة.
“عندما يعود الورثة الخمسة... يُفتح باب الملك من جديد.”
ساد الصمت.
وتابع أحمد القراءة.
قبل آلاف السنين كان ملك المملكة يُدعى "أزار".
أقوى ساحر عرفته الأرض.
لكنه أراد الخلود.
فعقد صفقة مع كيان مظلم يعيش في أعماق العالم.
وحصل على ما أراد.
لكن الثمن كان مملكته بالكامل.
تحولت المملكة إلى سجن أبدي.
وأصبحت أرواح سكانها محبوسة معه.
ومنذ ذلك اليوم…
ينتظر خمسة ورثة يحملون دمه.
ليعيدوه إلى الحياة.
ارتجف محمود.
وقال:
“يعني إحنا أحفاده؟!”
لكن قبل أن يجيب أحد…
سمعوا صوتًا خلفهم.
صوتًا يعرفونه جيدًا.
صوت كريم.
استداروا بسرعة.
فوجدوه واقفًا في الظلام.
لكن شيئًا كان خاطئًا.
عيناه.
تحولتا إلى اللون الأسود بالكامل.
ابتسم ببطء.
وقال:
“الملك ينتظركم.”
ثم هاجمهم فجأة.
ركضوا خارج المكتبة بينما كان كريم يطاردهم.
لم يعد كريم الذي يعرفونه.
كان يتحرك بسرعة مخيفة.
ويضحك بطريقة مرعبة.
وأثناء الهروب وصلوا إلى القصر الأسود.
البوابة كانت مفتوحة.
وكأن شيئًا يدعوهم للدخول.
في الداخل كانت الممرات طويلة بلا نهاية.
والهمسات تخرج من الجدران.
وأصوات مجهولة تنادي أسماءهم.
كل واحد منهم بدأ يرى كوابيسه الخاصة.
أحمد رأى والده المتوفى.
محمود رأى نفسه طفلًا يبكي.
أما عمر فكان يسمع شخصًا يهمس في أذنه طوال الوقت:
“أنت التالي...”
لكنهم واصلوا السير.
حتى وصلوا إلى قاعة العرش.
وهناك…
رأوه.
كان الملك جالسًا فوق عرش أسود ضخم.
جسده يشبه الجثة.
لكن عينيه كانتا مفتوحتين.
وفيهما ظلام لا نهاية له.
ابتسم لهم.
وقال:
“أخيرًا...”
ثم نهض.
اهتزت القاعة كلها.
وقال:
“ألف عام وأنا أنتظر.”
رفع يده.
فظهر كريم بجانبه.
راكعًا.
كأنه عبد مطيع.
ثم قال الملك:
“أحدكم ليس من أحفادي.”
نظر الأصدقاء إلى بعضهم.
ثم أكمل:
“أحدكم ليس إنسانًا أصلًا.”
ساد الصمت.
وفجأة…
التفت الملك نحو ياسين.
ابتسم.
وقال:
“وأنت تعرف ذلك.”
تجمد الجميع.
تراجع ياسين للخلف.
لكن جسده بدأ يتغير.
ظهرت على جلده خطوط سوداء.
وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر.
صرخ أحمد:
“إيه اللي بيحصل؟!”
ضحك ياسين.
ضحكة لم يسمعوها منه من قبل.
وقال:
“لأنني لم آتِ معكم بالصدفة.”
ثم التفت نحو الملك.
وانحنى له.
في صدمة كاملة أدرك الأصدقاء الحقيقة.
ياسين كان خادمًا للملك منذ البداية.
وهو من قادهم إلى السرداب.
وهو من أعاد الورثة إلى المملكة.
اقترب الملك من العرش.
وقال:
“انتهى الانتظار.”
ثم بدأ طقس غريب.
ظهرت دوائر سوداء على الأرض.
وامتلأت القاعة بالضباب.
وشعر أحمد ومحمود وعمر أن أرواحهم تُسحب من أجسادهم.
لكن فجأة…
تذكر أحمد شيئًا.
الرسم الموجود في الكتاب.
كان هناك رمز خلف العرش.
رمز لم يفهمه وقتها.
نظر بسرعة خلف العرش.
فوجده.
بلورة سوداء ضخمة.
تنبض كالقلب.
فهم الحقيقة فورًا.
هذه هي مصدر قوة الملك.
صرخ:
“اكسروا البلورة!”
اندفع عمر نحوها.
لكن ياسين حاول منعه.
دار صراع عنيف.
وفي اللحظة الأخيرة تمكن محمود من دفع ياسين بعيدًا.
وقفز عمر نحو البلورة.
وأمسك سيفًا قديمًا كان ملقى بجوار العرش.
وغرسه فيها بكل قوته.
ساد الصمت.
لثانية واحدة فقط.
ثم…
انفجرت البلورة.
وانطلقت صرخة هائلة في أنحاء المملكة.
صرخة ملايين الأرواح المحبوسة.
بدأ القصر ينهار.
والجدران تتشقق.
وسقط الملك على ركبتيه.
كان يصرخ بغضب ورعب لأول مرة.
أما ياسين…
فبدأ جسده يتحول إلى غبار أسود.
وهو يصرخ.
ثم اختفى.
إلى الأبد.
ركض أحمد ومحمود وعمر بكل قوتهم.
خلفهم كانت المملكة تنهار.
الأبراج تسقط.
والشوارع تتشقق.
والظلام يبتلع كل شيء.
وأخيرًا وصلوا إلى السرداب.
وصعدوا الدرج بسرعة.
ثم خرجوا إلى سطح الأرض.
وفي اللحظة نفسها…
انهار مدخل السرداب بالكامل.
واختفت المملكة.
كأنها لم تكن موجودة أبدًا.
مرت شهور.
وحاول الثلاثة نسيان ما حدث.
لكن في إحدى الليالي…
استيقظ أحمد على صوت طرق خفيف على نافذته.
اقترب ببطء.
وأزاح الستارة.
فتجمد في مكانه.
في الخارج…
كان يقف ياسين.
ينظر إليه مبتسمًا.
عيناه سوداوان بالكامل.
ثم رفع إصبعه إلى فمه.
وقال بهمس:
“لا تخبر أحدًا أن الملك خرج معنا...”
وانطفأت الأنوار في المنزل كله.