هماسات من خلف الباب الاسود

هماسات من خلف الباب الاسود
التفت سامح ببطء شديد نحو المقعد الخلفي.
لم يكن هناك أحد.
تنفس بارتياح للحظة، ثم ضحك على نفسه محاولًا إقناع عقله بأن ما سمعه مجرد أثر للتوتر والخوف.
لكن الضحكة ماتت على شفتيه عندما لمح شيئًا في المرآة الداخلية.
خدشًا طويلًا ظهر على الزجاج الخلفي.
ثم خدشًا ثانيًا.
وثالثًا.
وكأن أصابع غير مرئية كانت ترسم علامات من الداخل.
ضغط سامح على المكابح بعنف، فتوقفت السيارة أمام محطة الوقود.
خرج مسرعًا وفتح الباب الخلفي.
لا شيء.
الحقائب في أماكنها.
ولا أثر لأي شخص.
لكن إحدى الحقائب كانت مفتوحة.
اقترب منها بحذر.
في الداخل وجد شيئًا لم يكن يملكه.
مفتاحًا صدئًا أسود اللون.
تجمد مكانه.
لقد كان المفتاح نفسه الذي استخدمه لإعادة ختم الباب في القبو.
ألقى المفتاح بعيدًا فورًا، لكنه سمع صوت ارتطامه بالأرض خلفه مباشرة.
استدار.
كان المفتاح مستقرًا بجوار قدميه.
كأنه لم يتحرك أصلًا.
في تلك الليلة، حجز غرفة في فندق صغير على أطراف المدينة.
وضع المفتاح داخل درج الغرفة وأغلقه بإحكام.
ثم دفع خزانة ثقيلة أمام الدرج.
وأقنع نفسه أن الأمر انتهى.
عند الثالثة فجرًا استيقظ على صوت طرقات هادئة.
طق.
طق.
طق.
فتح عينيه.
الصوت يأتي من داخل الجدار.
جلس في السرير مصغيًا.
ثم تحولت الطرقات إلى كلمات.
"افتح الباب..."
تجمد الدم في عروقه.
"ليس هذا الباب."
همست الأصوات.
"الباب الآخر."
نظر سامح حوله بارتباك.
وفجأة لاحظ شيئًا لم يره من قبل.
على الجدار المقابل للسرير ظهر إطار باب قديم مرسوم بخطوط سوداء باهتة.
كان يبدو كأنه جزء من الحائط.
لكنه لم يكن موجودًا عندما دخل الغرفة.
اقترب منه ببطء.
ومع كل خطوة كانت الخطوط تزداد وضوحًا.
حتى أصبح أمام باب خشبي كامل.
نفس الباب الذي رآه في قبو المنزل.
ونفس القفل.
ونفس الخدوش.
لكن هذه المرة...
كان الباب مفتوحًا قليلًا.
ومن الشق الضيق تسلل صوت يعرفه جيدًا.
صوت الشيخ العجوز من القرية.
"سامح... لا تنظر إلى ما في الداخل."
توقف.
ثم جاء صوت آخر من خلف الباب.
صوته هو نفسه.
"لقد نظرت بالفعل."
وفجأة انفتح الباب على مصراعيه..
الباب الذي لا يجب أن يُفتح
الفصل الأول: ما وراء الشق
انفتح الباب على مصراعيه.
تراجع سامح خطوة إلى الخلف وهو يشعر بأن الهواء من حوله أصبح أثقل من الرصاص.
لم يرَ غرفة خلف الباب.
ولم يرَ ممرًا أو جدارًا.
بل رأى ظلامًا بلا نهاية.
كان ظلامًا مختلفًا عن أي ظلام عرفه من قبل؛ ليس غيابًا للضوء، بل حضورًا لشيء آخر.
شيء يراقب.
شيء ينتظر.
تردد صوت الشيخ العجوز من أعماق ذلك الفراغ:
"لا تنظر إلى الداخل."
لكن الأوان كان قد فات.
في تلك اللحظة لمح سامح حركة بعيدة.
في البداية ظنها مجرد وهم.
ثم بدأت تقترب.
شيئًا فشيئًا.
حتى ظهرت هيئة رجل واقف وسط العتمة.
رجل يشبهه تمامًا.
نفس الوجه.
نفس العينين.
نفس الملابس.
لكن ابتسامته كانت مائلة بشكل غير طبيعي.
وكأنها مرسومة على وجه لا يعرف معنى البشر.
قال الشبيه بصوت سامح نفسه:
"أخيرًا وجدتك."
ارتجفت يدا سامح.
"من أنت؟"
ضحك الكائن ضحكة باردة.
"أنا الذي بقي هناك... عندما خرجت أنت."
لم يفهم سامح شيئًا.
لكن ذكريات غريبة بدأت تتدفق إلى رأسه.
ذكريات لم يعشها قط.
رأى نفسه طفلًا يقف أمام باب حجري ضخم.
ورأى رجال القرية يجرون شخصًا مقيدًا نحو الظلام.
ورأى شيئًا هائلًا خلف الباب.
شيئًا لا يملك شكلًا ثابتًا.
وفي كل مرة يحاول تذكر ملامحه يشعر بألم حاد داخل رأسه.
ثم تذكر فجأة.
قبل عشرين عامًا.
حين كان طفلًا صغيرًا.
اختفى لساعات كاملة في تلك القرية.
عندما عثروا عليه أخبر الجميع أنه ضل طريقه في الغابة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
لقد وصل إلى القبو.
ووصل إلى الباب.
وفتحه.
لثوانٍ فقط.
ثوانٍ كانت كافية لحدوث شيء لم يدركه أحد.
ولا حتى هو.
ابتسم الشبيه داخل الظلام.
وقال:
"في ذلك اليوم لم تعد وحدك."
ثم رفع يده.
فبدأت الجدران تهتز.
وانطفأت أنوار الفندق كلها دفعة واحدة.
وفي الظلام الكامل...
سمع سامح عشرات الأصوات تهمس حوله:
"أعده إلينا..."
"لقد حان الوقت..."
"الباب يريد أن يكتمل."