بقايا ما جرفه النهر.

بقايا ما جرفه النهر.

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

          بقايا ما جرفه النهر

image about بقايا ما جرفه النهر.

 

المشرحة الرقمية لم تكن سوى محاولة بائسة من إدارة المستشفى لتوفير نفقات الفورمالين . سيف كان يعرف ذلك ، وكان يرى أن نقل جثث الموتى عبر ماسح ضوئي ليزري وتحويلها لملفات ثلاثية الأبعاد هو مجرد عمل روتيني ممل ، لكن ليلة الأحد تلك حملت معها شيئاً لم يكن في الحسبان .

كانت الساعة تقترب من الثانية صباحاً. الهواء داخل القبو كان رطباً ومسموماً برائحة الموت الصامت. على الطاولة المعدنية رقم 3، كانت تقبع جثة مجهول. شاب في أواخر العشرين، انتشلته شرطة المسطحات المائية من قاع النيل بعد أن قضى هناك ما لا يقل عن أربعة أيام. كان جسده متفخخاً بالماء، وجلده مائلاً للخضرة العفنة، وقد بدأت الأسماك الصغيرة تقضم أطراف أذنيه.

جلس سيف خلف شاشته الضخمة، وضغط زر بدء المسح. تحرك الذراع الآلي الذي يحمل أشعة الليزر الزرقاء، وبدأ يمر فوق الجثة ببطء. على الشاشة، بدأت الخطوط العريضة لجسد الميت تتشكل في مجسم ديجيتال . سيف كان يشرب قهوته ببرود، حتى بدأت الشاشة تخرف.

البرنامج لم يكن يرسم جثة واحدة، كان هناك تداخل في البيانات . الأشعة الزرقاء كانت ترتد عن الفراغ المحيط بالجثة وكأن هناك شيئاً آخر، كتل هلامية غير مرئية تلتف حول عنق الميت وصدره. امتلأت الشاشة بوشوشة رقمية مكثفة ، ثم ظهرت رسالة خطأ بالنظام تفيد بأن الأبعاد الحجمية للكتلة تتغير أثناء المسح .

ما هذا القرف؟ هل تعطل المستشعر مجدداً؟ تمتم سيف وضغط على لوحة التحكم لإلغاء الأمر.

في تلك اللحظة ، ساد صمت مفاجئ حاد وانقطع طنين أجهزة التبريد . الغرفة أصبحت دافئة بشكل خانق وثقيل ، ثم انبعث من جهة الطاولة رقم 3 صوت لم يكن ينبغي له أن يصدر أبداً صوت بصق قوي ، متبوعاً بشهقة هواء عنيفة، كشهقة الغريق الذي يطفو على السطح في آخر رمق .

تصلب سيف في كرسيه والفتفت ببطء شديد. الملاءة البيضاء التي كانت تغطي الجثة كانت تتحرك ، لم تكن تتحرك بفعل الهواء ، بل كانت ترتفع وتهبط مع أنفاس متلاحقة سريعة ، ومكتومة بالسوائل . ثم وبحركة مباغتة ، رُفعت الملاءة وسقطت على الأرض .

الميت لم يجلس ، بل التفت على جنبه، وتقيأ كمية هائلة من مياه النهر السوداء اللزجة المختلطة بالطين على الأرض المعدنية . الصوت كان حقيقياً ومقززاً لدرجة جعلت معدة سيف تنقبض. تحركت الجثة، ونزلت قدميها المتورمتين على الأرض بصوت لطشة رطبة .

وقف الشيء، ولم يكن يتحرك كالأحياء، كانت مفاصله المتيبسة تفرز أصوات طقطقة حادة كخشب يتكسر مع كل خطوة. عيناه كانت مفتوحتين تماماً ، لكن البيضاء منهما كانت قد تحللت لتصبح رمادية ، والحدقات اختفت. فتح فمه، فانفصل فكه السفلي عن علويه بمسافة غير طبيعية بسبب تمزق الأربطة ، وبدأ يتقدم نحو سيف وهو يصدر فحيحاً حاداً .

الرعب شل قدمي سيف ، لكن غريزة البقاء دفعته للتحرك عندما صار الشيء على بعد مترين منه . حاول الالتفاف للمرور نحو الباب ، لكن الجثة رمت بنفسها عليه بكامل ثقلها المائي وسقطا معاً على الأرض.

الرائحة كانت قاتلة ، رائحة طمي النيل العفن والموت الخالص . طبق الشيء يديه الضخمتين والمتصلبتين حول عنق سيف . 

لم تكن اليدان باردتين فقط ، بل كانتا لزجتين  والأظافر المتآكلة غُرست في جلد سيف حتى بدأت الدماء تسيل على جانبي رقبته. سيف كان يختنق ، ورؤيته بدأت تصبح ضبابية. حاول ضرب وجه الجثة، لكن يده كانت تغوص في اللحم المتورم اللين دون أن تؤثر فيه .

بأصابع ترتجف من الموت ، زحفت يد سيف اليمنى على الأرض حتى طالت سلك طابعة ثقيل . أمسك بقابس السلك المعدني بكل ما تحديداً له من قوة ، وطعن به عين الجثة اليسرى الميتة . اندفع سائل أسود كريه الرائحة من المحجر ، وأصدر الشيء عويلاً مكتوماً لا يشبه أصوات البشر ، وتراجع للخلف وهو يترنح .

استغل سيف الفرصة ، وزحف على بطنه وهو يسعل ويلهث ، واندفع نحو الباب الخارجي . فتحه وألقى بنفسه في الممر المضيء للمستشفى ، وصرخ صرخة مدوية هزت الجدران قبل أن يغمى عليه .

 

استيقظ سيف في الصباح على سرير الطوارئ ، وعنقه ملفوف بشاش طبي . كان الطبيب الشرعي ورئيس الأمن يقفان فوق رأسه بنظرات غاضبة مشوبة بالشفقة . قال الطبيب إن سيف أصيب بتهيج عصبي ، وهلوسة من ضغط السهر ، وقام بضرب عنقه بأسلاك الكمبيوتر ودمر غرفة المسح .

حاول سيف الكلام وقال إن الجثة تحركت وحاولت قتله .

تنهد رئيس الأمن وقال : الجثة رقم 3 لم تتحرك إنشاً واحداً ، عندما دخلنا كانت في مكانها ، جافة تماماً ومغطاة . لكن ، سكت الأمن وتبادل نظرة قلقة مع الطبيب ، ثم أكمل : لكن هناك شيء واحد لم نفهمه ، عندما فحصنا تقرير كاميرات المراقبة ، لم نجدك في الغرفة طوال الليل . الكاميرا كانت تسجل الغرفة وهي خالية تماماً ، بينما كان صوتك أنت وهو يصرخ ويتوسل يملأ المكان ، وفي تمام الساعة الثانية صباحاً ، انفتح الباب الخارجي من تلقاء نفسه ، وخرجت أنت من الفراغ وسقطت مغشياً عليك .

شعر سيف ببرودة الموت تسري في عظامه ، عندما نظر إلى يده ، ووجد تحت أظافره بقايا طمي أسود ، ورائحة النيل لا تزال تفوح من أنفاسه .

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ahmed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-