الأرض الغابات المحظوره
أرض الغابة المحظوره

كان الكبار يتناقلون حكايات غريبة عن تجارب بيولوجية فاشلة، وعن جنود دخلوا هناك ولم يعودوا قط. لكن بالنسبة لي كانت هذه المنطقة هي "تذكرتي الذهبية" للصعود في ليلة شديدة البرودة، سجلت بكاميرا ذات إضاءة ليلية،
وقطعت السلك الشائك متسللاً إلى الداخل. بمجرد أن وطأت قدمي أرض الغابة المحظورة، شعرت بهدوء مريب. كان الضباب كثيفاً لدرجة أنه يحجب رؤية حذائي، ولم يكن هناك أي صوت للحشرات أو الطيور؛
كان صمتاً ثقيلاً يطبق على الأنفاس سرت لقرابة نصف ساعة حتى تعثرت ببناء إسمنتي شبه مدفون تحت الأرض، يشبه الملجأ العسكري القديم. كان الباب الحديدي الضخم موارباً، ومحاطاً بسلاسل غليظة مقطوعة من المنتصف وكأن شيئاً ما قد حطمها بقوة هائلة من الداخل وليس من الخارج دفعني فضولي الأحمق للدخول وجهت عدسة الكاميرا إلى الداخل كانت الجدران مغطاة بمادة لزجة داكنة ورائحة العفن والرطوبة لا تُطاق وفي زاوية الغرفة وعلى طاولة خشبية مهترئة كان هناك جهاز لاسلكي قديم يخرج منه صوت فحيح وتشويش خافت اقتربت ببطء، وفجأة، انقطع التشويش وحل محله صوت أنفاس متقطعة، ثم همس صوت بشري مرتعش باكي عبر الأثير إنهم لا يهاجمون في الظلام... إنهم ينجذبون للضوء. أطفئ الكشاف فوراً تصلب الدم في عروقي. وفي تلك اللحظة، سمعت صوت حركة خفيفة خلفي مباشرة. ثبتت الكاميرا بيدي المرتجفة ونظرت عبر شاشتها الصغيرة إلى الزاوية المظلمة وراء كتفي رأيت كائناً ضخماً، هزيلاً بشكل مرعب، يزحف على جدار الملجأ كالعنكبوت. لم يكن له وجه بشري، بل مجرد فجوة سوداء تمتد في منتصف رأسه، وعينين مشعتين ببريق أصفر جائع ثبتت نظراتها عليّ مباشرة وسقط الكشاف من يدي وتحطم ليغرق المكان في ظلام دامس. تراجعت للخلف ب ذعر وأنا أسمع صوت زحف سريع يقترب مني يرافقه صوت طقطقة عظام مرعبة. ركضت بشكل عشوائي مسترشداً بضوء القمر الشاحب الذي يتسلل عبر الباب وخرجت ألهث وأصرخ في الغابة، والظلال من حولي تبدو وكأنها تطاردني من كل اتجاه ألقيت بنفسي من فوق السياج الشائك، ممزقاً ملابسي وجسدي، وارتميت على الطريق الإسفلتي خارج المنطقة المحظورة وأنا أتنفس ظاناً أنني نجوت لكنني عندما نظرت إلى شاشة هاتفي لأتصل بالنجدة، وجدته يسجل فيديو للكاميرا الأمامية تلقائياً وخلفي مباشرة في المقعد الخلفي لسيارتي كانت تلك العينان الصفراوان تلمعان في الظلام. لقد أدركت بعد فوات الأوان أن الحدود لم تكن لحبسهم في الداخل، بل لجعلنا نظن أننا آمنون في الخارج ولم أجرؤ حتى على الالتفات إلى الخلف و كان انعكاس العينين الصفراوين في شاشة الهاتف كافياً ليشلّ حركتي تماماً شعرت ببرودة شديدة تغزو مقصورة السيارة، برودة لم تكن ناتجة عن طقس ليلة الشتاء بل كانت كبرودة الموت نفسه ثم وجهة نظري الى الشاشة مع ذلك الكائن في المقعد الخلفي. بدأت أنفاسه الثقيلة تُكثّف الضباب على زجاج النوافذ وسمعت صوت يتصدر من حنجرته، صوت بتداخله مئات الأصوات البشرية التي تصرخ دفعة واحدة ولكن بنبرة يخيفني للغاية ببطء شديد ودون أن ألتفت امتدت يدي المرتجفة نحو مقبض الباب كنت أتحرك بمعدل مليمتر واحد في الثانية خوفاً من أن تثير أي حركة مفاجئة غريزة الافتراس لديه ساد صمت مطبق داخل السيارة لم يقطعه سوى صوت نبضات قلبي التي كانت تقرع في أذني كطبول الحرب عندما لامست أصابعي المقبض المعدني البارد، انبعث من الهاتف صوت رسالة نصية قصيرة بنغمة مرتفعة أضاءت الشاشة بالكامل في تلك الأجزاء من الثانية
أضاء النور الساطع وجه الكائن بشكل أوضح كان جلده رمادياً رمياً يلتصق بجمجمته مباشرة
أطلق الكائن صرخة حادة، أشبه باحتكاك المعدن الصدئ، لشدة كراهيته للضوء انقضت يده الطويلة ذات المخالب المدببة نحو وجهي دفعت الباب بكل ما أوتيت من قوة وارتميت خارج السيارة على الأرض الحصوية. تحاملت على قدمي المصابة وبدأت أركض في عكس اتجاه الغابة، نحو أضواء البلدة التي تبعد كيلومتراً واحداً خلفي سمعت صوت تحطم زجاج السيارة العنيف تلاه صوت ارتطام أقدام ثقيلة ومخالب تمزق الإسفلت وهي تجري ورائي بسرعة لا يمكن لبشري استيعابها لم أنظر خلفي أبداً كنت أركض فقط والدموع تعمي عيني والدم يتدفق من جروحي وصلت إلى أول بيوت البلدة، وارتميت على باب منزل صديقي "سامر" وأنا أصرخ وأطرق الباب بجنون. عندما فُتح الباب وسقطتُ داخله مستجداً بالأمان، التفتُّ أخيراً إلى الشارع المظلم لم يكن هناك أثر للكائن فقط آثار مخالب عميقة حُفرت في إسفلت الشارع وتنتهي تماماً عند حدود ضوء عمود الإنارة الأول في البلدة.
مرت أسابيع على تلك الليلة. لم أعد أبداً إلى غرفتي ولم أقترب من تلك السيارة التي وجدتها الشرطة لاحقاً ممزقة بالكامل من الداخل ومغطاة بمادة لزجة سوداءولأنني أدركت الحقيقة المرعبة لهذى المنطقة المحظوره لم اذهب إليها مرة أخره
النهاية