لقد إستيقظ الظل الجزء الخامس

لقد إستيقظ الظل الجزء الخامس

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 

 

لقد استيقظ الظل الفصل الخامس

 

بقي الأصل 

 

لم تنم هبة منذ أن وصلتها أخبار وفاة سارة.

أربع جنازات خلال شهر واحد.

مريم…

رنا…

ريم…

سارة…

وبقي اسم واحد فقط.

اسمها.

كانت تعرف ذلك.

لم تكن تحتاج إلى رسالة لتفهم.

لكن الرسالة وصلت رغم ذلك.

في الثالثة فجرًا…

اهتز هاتفها.

فتحت الشاشة بيد مرتجفة.

لم يكن هناك رقم.

ولا صورة.

ولا كلمات كثيرة.

فقط سطر واحد.

“لم يتبقَّ سواك.”

اختفت الرسالة بعد ثانية واحدة.

لكنها لم تختفِ من عقلها.

 

---

مع شروق الشمس…

ذهبت إلى مركز الشرطة.

طلبت مقابلة الضابط المسؤول عن قضية مريم.

في البداية رفضوا.

لكن بعد إلحاحها…

سمحوا لها بالدخول.

جلست أمام الضابط.

كانت يداها ترتجفان.

قالت:

“أنا عايزة أعترف.”

رفع الضابط رأسه.

أغلقت هبة عينيها.

وروت كل شيء.

من أول يوم بدأت فيه هي وصديقاتها بالتنمر على مريم.

حتى لحظة سقوطها على الصخرة.

ثم كيف جاءت نجلاء.

وكيف حملتا مريم إلى الكوخ.

وكيف أُغلق الباب عليها وهي لا تزال تتنفس.

ساد الصمت داخل المكتب.

لم يقاطعها أحد.

كان الضابط يكتب كل كلمة.

وحين انتهت…

قال بهدوء:

“لو كلامك صحيح... لازم نروح المكان حالًا.”

 

---

تحركت قوة من الشرطة إلى منزل نجلاء.

وقفت نجلاء أمام الباب.

وحين رأت سيارات الشرطة…

أغلقت عينيها.

كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.

لم تقاوم.

بل قالت بهدوء:

“الكوخ... في آخر الجنينة.”

نظر إليها الضابط باستغراب.

ثم أمر الرجال بكسر الباب.

تحطم القفل القديم.

ودخل الجميع.

كانت الرائحة خانقة.

والغبار يملأ المكان.

بدأ العمال يزيلون الصناديق القديمة.

ثم…

صرخ أحدهم.

“يا فندم!”

اقترب الضابط.

نظر إلى الأرض.

ثم تجمد مكانه.

كانت هناك…

بقايا هيكل عظمي.

وبجواره…

قطعة قماش ممزقة.

وسلسلة صغيرة.

تعرف عليها الجميع.

كانت تخص مريم.

انهارت نجلاء على ركبتيها.

وأجهشت بالبكاء.

أما هبة…

فأغمضت عينيها.

كانت تتمنى لو انتهى كل شيء.

لكن…

في اللحظة نفسها…

انطفأت كل مصابيح الكوخ.

رغم أنها كانت نهارًا.

ساد ظلام كثيف.

وانخفضت درجة الحرارة فجأة.

شعر الجميع بقشعريرة.

ثم…

سمعوا الطرق.

طَق…

طَق…

طَق…

لكن هذه المرة…

لم يكن الصوت صادرًا من الباب.

بل…

من تحت الأرض.

نظر الضباط إلى بعضهم.

أما نجلاء…

فهمست وهي ترتجف:

“جاء...”

ثم…

انقطع الصوت فجأة.

وعاد الضوء كما كان.

نظر الجميع حولهم.

لم يجدوا شيئًا.

لكن هبة…

كانت قد اختفت.

وقف الضابط مذهولًا.

قبل ثوانٍ…

كانت تقف بجواره.

والآن…

لم يعد لها أي أثر.

 

---

في مكان لا تعرفه…

فتحت هبة عينيها.

كانت داخل الكوخ.

لكن الكوخ بدا مختلفًا.

أكبر.

وأكثر ظلمة.

وكأن الزمن عاد سنوات إلى الوراء.

ومن بعيد…

سمعت صوت فتاة تبكي.

الصوت الذي حاولت نسيانه طويلًا.

أدركت عندها…

أن دورها…

قد بدأ.

 

كان الكوخ كما تتذكره…

لكن الزمن بدا وكأنه عاد إلى تلك الليلة.

رائحة الخشب العفن.

صوت المطر على السقف.

والظلام الذي يبتلع كل شيء.

حاولت فتح الباب.

لم يتحرك.

ضربته بيديها.

صرخت.

لكن صوتها كان يختفي داخل الجدران.

كأن الكوخ…

يبتلع الصرخات.

 

---

بدأت تسمع أنفاسًا متقطعة.

ليست خلفها…

ولا أمامها.

بل بجوارها تمامًا.

التفتت ببطء.

كانت الأرض خالية.

لكن صوت التنفس ازداد.

ثم…

خرج صوت ضعيف.

“أنا... لسه... عايشة...”

تجمد الدم في عروقها.

كان نفس الصوت.

صوت مريم.

لكنها لم ترَ أحدًا.

 

---

فجأة…

بدأت الجدران تتحرك.

تحولت ألواح الخشب إلى باب الكوخ القديم.

ورأت المشهد كما حدث قبل أسابيع.

مريم على الأرض.

تنزف.

تمد يدها نحوها.

“ساعديني...”

رأت نفسها…

ورنا…

وريم…

وسارة…

يتراجعون إلى الخلف.

ويضحكون.

ثم يغادرون.

وتركت مريم وحدها.

صرخت هبة وهي تبكي.

“كفاية... أرجوكِ...”

لكن المشهد استمر.

ثم ظهر وجه نجلاء.

تجر مريم إلى داخل الكوخ.

وتغلق الباب.

ويبدأ الطرق.

طَق…

طَق…

طَق…

هذه المرة…

لم تكن هبة تشاهد الذكرى.

بل كانت داخلها.

كانت تسمع الطرق من الداخل.

وتشعر ببرودة الأرض.

وتشعر بالجوع.

والعطش.

والوحدة.

كانت تعيش الساعات الأخيرة لمريم…

لحظة بلحظة.

 

---

في الخارج…

كان رجال الشرطة يفتشون الكوخ.

اختفت هبة أمام أعينهم.

وكأن الأرض ابتلعتها.

أمر الضابط بإخلاء المكان.

وبدأوا البحث في الحديقة.

لكنهم لم يجدوا أي أثر.

وقفت نجلاء في مكانها.

لا تتحرك.

كانت تحدق في باب الكوخ.

ثم همست:

“خلصيها...”

ولأول مرة…

لم تكن تخاطب نفسها.

بل كانت تخاطب مريم.

 

---

داخل الكوخ…

جلست هبة على الأرض.

لم تعد تصرخ.

ولا تحاول الهرب.

كانت تبكي فقط.

“أنا آسفة...”

ساد الصمت.

ثم جاءها صوت هادئ.

“الاعتذار...”

توقف قليلًا.

“...لا يعيد العمر.”

انخفضت حرارة المكان.

وأصبحت أنفاسها ثقيلة.

شعرت بأن قلبها ينبض بسرعة.

ثم…

ببطء…

بدأت نبضاته تتباطأ.

حاولت الوقوف.

لكن ساقيها خانتاها.

رفعت رأسها نحو الباب.

كان مفتوحًا.

ولأول مرة…

رأت ضوء النهار.

ابتسمت.

وظنت أنها نجت.

ركضت نحوه.

لكن…

كلما اقتربت…

ابتعد الباب أكثر.

حتى اختفى.

وسقطت على الأرض.

وأغمضت عينيها.

إلى الأبد.

 

---

في اللحظة نفسها…

عاد الضوء إلى الكوخ.

ورأى رجال الشرطة هبة.

كانت ممددة في منتصف الغرفة.

وجهها هادئ.

ولا يوجد على جسدها أي جرح.

لكن…

كانت يداها ممدودتين نحو الباب.

كأنها حاولت الخروج…

في اللحظة الأخيرة.

قال الطبيب الشرعي بعد ساعات:

"سبب الوفاة…

توقف القلب.

ولا توجد أي إصابات."

كانت تلك الجملة…

قد أصبحت مألوفة للجميع.

 

---

وقفت نجلاء أمام سيارة الإسعاف.

لم تبكِ.

نفدت دموعها منذ زمن.

رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة.

كانت رسالة جديدة.

هذه المرة…

لم تكن قصيرة.

بل كُتب فيها:

“انتهى الحساب...”

وبعد ثوانٍ…

ظهرت جملة أخرى.

“وبقي الأصل.”

ارتجفت يداها.

وسقط الهاتف على الأرض.

كانت تعلم…

أن الرسالة لا تقصد أحدًا غيرها.

فهي لم تكن شاهدة على الجريمة…

بل كانت من اختار أن يغلق الباب…

ويترك مريم تموت وحدها.

رفعت نجلاء رأسها نحو الكوخ.

وللمرة الأولى…

لم تشعر بالخوف.

بل شعرت أن هذه النهاية…

التي تستحقها.

يتبع…….

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mariam تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

4

متابعهم

7

مقالات مشابة
-