آخر راكب في العربة رقم 9

آخر راكب في العربة رقم 9

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

آخر راكب في العربة رقم 9

كان المطر يهطل بغزارة عندما وصل "آدم" إلى محطة القطار قبل منتصف الليل بدقائق. كانت المحطة شبه خالية، ولم يكن هناك سوى موظف عجوز يجلس خلف شباك التذاكر، ينظر إلى المسافرين بعينين متعبتين وكأنه يعرف شيئًا لا ينبغي لأحد أن يعرفه.

اشترى آدم تذكرته، وعندما همَّ بالمغادرة، أمسك الموظف بيده فجأة وقال بصوت منخفض:

"إذا لاحظت أن القطار أطول من المعتاد... فلا تدخل العربة رقم 9 مهما حدث."

ابتسم آدم معتقدًا أن الرجل يمزح، وسحب يده بهدوء، ثم صعد إلى القطار.

كان كل شيء طبيعيًا في البداية. المقاعد نظيفة، والإضاءة خافتة، والركاب صامتون بشكل غريب. جلس بجوار النافذة، وأخذ يراقب المطر وهو ينهمر على الزجاج.

بعد مرور ساعة تقريبًا، شعر بالملل، فقرر التجول بين العربات.

مر بالعربة الثانية... ثم الثالثة... ثم الرابعة...

لكن عندما وصل إلى نهاية العربة الثامنة، وجد بابًا معدنيًا قديمًا يحمل الرقم 9.

استغرب، لأنه لم يلاحظ وجودها عند صعوده.

فتح الباب ببطء.

في اللحظة التي دخل فيها، تغير كل شيء.

اختفت الإضاءة البيضاء، وحل محلها ضوء أصفر باهت. أصبحت الجدران مغطاة بالصدأ، والمقاعد ممزقة، ورائحة العفن تملأ المكان.

كانت العربة خالية... إلا من رجل واحد يجلس في آخرها.

كان يرتدي معطفًا أسود وقبعة تخفي ملامحه.

تردد آدم للحظة، ثم جلس في المقعد المقابل له.

مرت دقائق طويلة دون أن يتحرك الرجل أو ينطق بكلمة.

ثم قال فجأة:

"كم سنة تعتقد أننا نسافر؟"

ضحك آدم وقال:

"منذ ساعة تقريبًا."

رفع الرجل رأسه ببطء.

كانت عيناه بيضاوين تمامًا، بلا حدقة.

ابتسم ابتسامة باردة وقال:

"أنا هنا منذ اثنين وأربعين عامًا."

شعر آدم بأن دمه تجمد في عروقه.

وقف بسرعة واتجه نحو الباب الذي دخل منه.

لكنه لم يجده.

كان مكانه جدارًا معدنيًا صلبًا.

بدأ يضرب الجدار بكل قوته، ويصرخ طلبًا للمساعدة، لكن صوته كان يختفي داخل العربة وكأنها تبتلعه.

عاد ينظر إلى الرجل.

لكنه لم يكن في مكانه.

أصبح المقعد فارغًا.

وفجأة شعر بأنفاس باردة تلامس رقبته.

استدار بسرعة.

كان الرجل يقف خلفه مباشرة.

قال بصوت أجش:

"كل من يدخل هذه العربة... يصبح جزءًا من رحلتها."

بدأت الأرض تهتز بقوة.

ومن نوافذ العربة، لم يعد يظهر المطر ولا السكة الحديدية.

بل ظهرت غابة سوداء لا نهاية لها، تتدلى من أشجارها أجساد بشرية ساكنة، تتحرك مع الريح كأنها دمى معلقة.

كان كل وجه يحدق في آدم بابتسامة مرعبة.

ثم لاحظ شيئًا أكثر رعبًا.

إحدى الجثث كانت تشبهه تمامًا.

نفس الملابس.

نفس الحقيبة.

نفس الوجه.

صرخ بجنون وهو يحاول كسر النافذة، لكنها كانت صلبة كالفولاذ.

في تلك اللحظة، بدأ القطار يبطئ سرعته.

توقف تمامًا.

انفتح باب لم يكن موجودًا من قبل.

في الخارج، كانت محطة قديمة مغطاة بالضباب، تتدلى فوق مدخلها لافتة كتب عليها:

"محطة النهاية... لا عودة بعد هذه النقطة."

خرج الرجل ذو المعطف الأسود أولًا، ثم التفت إلى آدم وقال:

"دورك."

حاول آدم التراجع، لكن مئات الأيدي الرمادية خرجت من أسفل المقاعد وأمسكت بساقيه.

كانت باردة، نحيلة، وعظام أصابعها تخترق جلده.

بدأت تسحبه ببطء نحو الباب.

كان يصرخ، لكن صوته لم يعد يُسمع.

اختفى داخل الضباب...

وأغلق الباب من تلقاء نفسه.

في صباح اليوم التالي، وصل القطار إلى وجهته النهائية.

نزل جميع الركاب بشكل طبيعي.

وعندما راجع موظفو المحطة قائمة المسافرين، لم يجدوا اسم "آدم" بينها.

الغريب أن كاميرات المراقبة أظهرت دخوله إلى القطار بوضوح... لكنها لم تُظهر خروجه أبدًا.

أما العربة رقم 9، فلم تظهر في أي تسجيل، وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.

ومنذ ذلك الحين، يروي بعض سائقي القطارات أنهم في الليالي الممطرة، عندما يلتفتون عبر المرآة الخلفية، يرون عربة إضافية لا تحملها سجلات القطار. نوافذها معتمة، وداخلها أشخاص يجلسون بصمت، لا يتحركون ولا يرمشون. وإذا حدق أحدهم طويلًا، فقد يلاحظ وجهًا جديدًا ينظر إليه من الزجاج... وجه مسافر اختفى منذ سنوات، وما زال ينتظر راكبًا آخر يشاركه الرحلة التي لا تصل إلى أي محطة يعرفها البشر.

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Moaz Zezo تقييم 5 من 5.
المقالات

8

متابعهم

7

متابعهم

11

مقالات مشابة
-