لقد إستيقظ الظل

لقد إستيقظ الظل

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

لقد استيقظ الظل

الفصل الثاني

القسم الثاني: ليلة الحساب 

 

مرّت ثلاثة أيام منذ أن أخبرت رنا أمها بما رأته.

لم تعد تجرؤ على النوم وحدها.

كانت كلما أغلقت عينيها تسمع ذلك الطرق البعيد، يقترب تدريجيًا، حتى تشعر أنه يقف خلف باب غرفتها.

لكن الغريب…

أن الطرق لم يعد يُسمع كل ليلة.

ليلتان كاملتان مرتا في هدوء.

حتى بدأت رنا تقتنع بأنها كانت تتوهم.

ابتسمت لأول مرة منذ أسابيع.

وقالت لأمها وهي تتناول الإفطار:

“يمكن كنت فعلًا مرهقة.”

ابتسمت نجلاء بحذر.

“أنا قلتلك... كله ضغط أعصاب.”

لكنها لم تكن مقتنعة بما تقوله.

فمنذ تلك الليلة…

كانت تستيقظ كل صباح لتجد باب الحديقة الخلفية مفتوحًا.

رغم أنها كانت تغلقه بنفسها كل مساء.

وكان الكوخ…

مفتوحًا دائمًا.

في كل صباح.

 

---

في مساء اليوم الرابع…

عاد فؤاد من عمله.

لاحظ تغير زوجته.

قال وهو يخلع سترته:

“إنتِ كويسة؟”

أجابت بشرود:

“آه.”

“بقالك كام يوم مش بتنامي.”

صمتت.

ثم قالت:

“إنت عمرك سمعت صوت حد في الجنينة بالليل؟”

ابتسم ساخرًا.

“أكيد قطط.”

لم تجب.

كيف تخبره أنها في الليلة الماضية…

سمعت طرقًا يخرج من داخل الكوخ.

رغم أنها كانت واقفة في المطبخ.

ورأت الباب يهتز وحده.

 

---

في تلك الليلة…

نام الجميع مبكرًا.

كانت الساعة تشير إلى الثانية وخمسين دقيقة.

استيقظت رنا على عطش شديد.

خرجت من غرفتها.

كان المنزل ساكنًا.

اتجهت إلى المطبخ.

أحضرت كوب ماء.

وعندما عادت…

توقفت فجأة.

كان باب الحديقة مفتوحًا.

على مصراعيه.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

أقسمت أن أمها أغلقته.

اقتربت ببطء.

أمسكت بالمقبض.

لكن قبل أن تغلقه…

وصلها صوت.

صوت فتاة تبكي.

بكاء ضعيف.

متقطع.

يخرج من اتجاه الكوخ.

تراجعت خطوة.

وأغلقت الباب بسرعة.

ركضت إلى غرفتها.

ولم تخبر أحدًا.

 

---

في الصباح…

لاحظت نجلاء أن ابنتها أصبحت أكثر شحوبًا.

قالت لها:

“هنروح للدكتور النهارده.”

اعترضت رنا.

“أنا مش عيانة.”

“بس كفاية.”

 

---

بعد الظهر…

دخلتا عيادة الطبيب النفسي.

جلس الطبيب أمام رنا بهدوء.

“احكيلي.”

ظلت صامتة.

حتى قال:

“أنا مش هاحكم عليك.”

رفعت رأسها.

ثم بدأت تحكي.

عن الطرق.

عن البكاء.

عن الهمسات.

وعن الكوخ.

كتب الطبيب ملاحظاته.

ثم سألها سؤالًا غريبًا.

“لما بتسمعي الصوت...”

“آه.”

“...بينادي باسمك؟”

اتسعت عيناها.

“إنت عرفت إزاي؟”

ابتسم ابتسامة صغيرة.

“خمنت.”

لكن الحقيقة…

أنه لم يخمن.

بل لأن رنا كانت كلما سمعت الصوت داخل العيادة…

تلتفت فجأة إلى باب الغرفة.

كأن أحدًا يقف خارجه.

 

---

خرج الطبيب مع نجلاء وحدها.

قال بصوت منخفض:

“بنتك عندها صدمة قوية.”

تنهدت نجلاء.

“هتخف؟”

“لو السبب اختفى.”

تجمدت في مكانها.

“تقصد إيه؟”

نظر إليها للحظة.

ثم قال:

“واضح إن فيه حاجة هي شايلة ذنبها.”

ارتجفت يد نجلاء.

لم تستطع الرد.

 

---

في طريق العودة…

كانت رنا تنظر من نافذة السيارة.

فجأة…

صرخت.

ضغط فؤاد على الفرامل بقوة.

التفت إليها.

“في إيه؟”

كانت تشير إلى الرصيف.

“هناك!”

نظر الأب.

لم يجد شيئًا.

أما رنا…

فقد كانت ترى فتاة تقف تحت المطر.

ثيابها ممزقة.

ورأسها مائل بطريقة مخيفة.

كانت ترفع يدها ببطء…

وتشير نحو المنزل.

ثم…

اختفت.

 

---

مرت الأيام.

لكن هذه المرة…

لم تظهر مريم.

ولم يسمع أحد الطرق.

بدأ الجميع يظن أن العلاج نجح.

حتى رنا.

وفي مساء الجمعة…

ضحكت لأول مرة.

جلست مع والديها تشاهد التلفاز.

كانت نجلاء تراقبها بسعادة.

وقالت لفؤاد:

“الحمد لله... شكلها بدأت ترجع لطبيعتها.”

ابتسم.

“قلتلك كله تعب نفسي.”

لكن…

في اللحظة نفسها…

انطفأت شاشة التلفاز.

دون سبب.

ساد الصمت.

ثم…

صدر من الحديقة…

طَق…

نظر الثلاثة إلى بعضهم.

ثم عاد الصوت.

طَق…

هذه المرة…

سمعه الجميع.

ولأول مرة…

شحب وجه نجلاء.

لأنها أدركت…

أن ابنتها…

لم تكن تكذب.

---

مرت ثلاثة أيام منذ أن سمع الجميع ذلك الطرق الغامض القادم من الحديقة.

منذ تلك الليلة لم يعد أحد في المنزل ينام مطمئنًا.

حتى فؤاد، الذي كان يفسر كل شيء بالعقل والمنطق، أصبح يغلق نوافذ المنزل بنفسه قبل النوم، ويتأكد من إقفال باب الحديقة أكثر من مرة.

أما رنا…

فلم تعد تدخل غرفتها إلا مع شروق الشمس.

كانت تخشى حلول الليل.

وتحديدًا…

الساعة الثالثة.

 

---

في إحدى الليالي…

جلست نجلاء وحدها في المطبخ.

لم تستطع النوم.

كانت تحدق في الحديقة من خلف النافذة.

هناك…

في نهاية الممر…

كان الكوخ يقف صامتًا.

ذلك الكوخ الذي أخفت بداخله جريمة ظنت أنها انتهت إلى الأبد.

أغمضت عينيها.

لكن الذكرى عادت إليها رغماً عنها.

طرقات ضعيفة على الباب الخشبي.

“مدام نجلاء... افتحي الباب... بالله عليكِ...”

صوت مريم وهي تبكي.

ثم…

صوتها يضعف شيئًا فشيئًا.

حتى اختفى تمامًا.

فتحت نجلاء عينيها مذعورة.

كانت ترتجف.

همست لنفسها:

“انتهى... كل ده انتهى.”

لكنها لم تكن تؤمن بما تقول.

 

---

في صباح اليوم التالي…

دخلت غرفة رنا.

وجدتها جالسة على الأرض.

لم تنم طوال الليل.

اقتربت منها.

“رنا...”

رفعت ابنتها رأسها ببطء.

كانت عيناها غارقتين في السواد.

قالت بصوت مرتجف:

“هو مش هيسيبني.”

جلست نجلاء بجوارها.

“مفيش حد.”

هزت رنا رأسها.

“كل ليلة بيقرب أكتر.”

أمسكت نجلاء كتفيها.

“اسمعيني كويس...”

“إحنا هننسى اللي حصل.”

حدقت رنا في أمها.

ثم انفجرت بالبكاء.

“إحنا قتلناها يا ماما.”

ساد الصمت.

أخفضت نجلاء رأسها.

ثم قالت بصوت خافت:

“كان لازم.”

تجمدت رنا.

“إيه؟”

“لو الناس عرفت... كنتِ هتدخلي السجن.”

صرخت رنا:

“لكنها كانت لسه عايشة!”

ارتجفت شفتا نجلاء.

وأغلقت عينيها.

عاد إليها ذلك الصوت من جديد.

> “أنا بردانة... افتحي الباب...”

 

وضعت يديها على أذنيها.

كأنها ما زالت تسمعه.

ثم همست:

“افتكرت إنها هتموت بسرعة...”

“لكنها فضلت تستغيث...”

بدأت تبكي.

“...وسبتها.”

تراجعت رنا للخلف.

كانت تنظر إلى أمها وكأنها تراها لأول مرة.

 

---

مر يومان آخران.

لم يحدث شيء.

لا أصوات.

لا طرقات.

ولا كوابيس.

حتى بدأت رنا تشعر أن الأمر انتهى.

وفي مساء الجمعة…

اجتمع أفراد الأسرة حول مائدة العشاء.

لأول مرة منذ أسابيع…

ضحكت رنا.

تنهد فؤاد براحة.

وقال مبتسمًا:

“الحمد لله... كله خلص.”

نظرت إليه نجلاء.

لكنها لم تبتسم.

كانت تشعر أن الهدوء…

أخطر من الرعب نفسه.

 

---

في تمام الثالثة فجرًا…

استيقظت رنا فجأة.

ليس على صوت.

بل على صمت.

صمت مطبق.

حتى صوت المطر…

اختفى.

جلست على سريرها.

نظرت إلى الساعة.

03:00

وفجأة…

سمعت طرقًا واحدًا.

طَق.

ثم…

همسة.

قريبة جدًا.

“تعالي.”

لم تصرخ.

لم تستطع.

شعرت أن قدميها تتحركان وحدهما.

خرجت من الغرفة.

وسارت في الممر.

كانت عيناها مفتوحتين.

لكنها لم تكن ترى المنزل.

كانت ترى الحديقة.

وترى نفسها قبل أسبوعين.

وترى مريم ملقاة على الأرض.

تنزف.

تمد يدها إليها.

“ساعديني...”

لكنها…

استدارت يومها ورحلت.

 

---

في الواقع…

كانت رنا تمشي ببطء داخل المنزل.

كأنها نائمة.

مرت بجوار غرفة والديها.

ونزلت السلم.

ثم اتجهت نحو باب الحديقة.

فتحته.

وخرجت.

كان المطر يهطل بغزارة.

لكنها لم تشعر به.

 

---

استيقظت نجلاء على صوت فتح الباب.

نهضت بسرعة.

وجدت باب الحديقة مفتوحًا.

صرخت:

“رنا!”

أيقظت فؤاد.

وركضا إلى الخارج.

كانت الحديقة خالية.

إلا من آثار أقدام تتجه نحو الكوخ.

 

---

ركضت نجلاء وهي تبكي.

وصلت إلى الباب.

كان مغلقًا.

وضعت يدها على المقبض.

لكنها ترددت.

لأنها تذكرت…

أنها هي نفسها…

آخر من أغلق هذا الباب.

صرخت:

“رنا... افتحي!”

لم يجبها أحد.

لكن…

وصلها صوت خافت من الداخل.

“ماما...”

ارتجف جسدها.

بدأت تضرب الباب بكل قوتها.

“رنا!”

جاء فؤاد ومعه فأس صغيرة من المخزن.

وبدأ يكسر الباب.

ضربة…

ثم أخرى…

ثم الثالثة.

انكسر القفل أخيرًا.

وانفتح الباب.

 

---

دخل الاثنان.

كانت الغرفة مظلمة.

ورائحة الرطوبة تملؤها.

وفي منتصف الأرض…

كانت رنا ممددة بلا حراك.

الدم يسيل من جانب رأسها.

في الموضع نفسه…

الذي نزفت منه مريم.

وكأن الزمن…

أعاد نفسه.

جثت نجلاء بجوار ابنتها.

رفعت رأسها المرتجف.

“رنا... لا...”

وضعت يدها على عنقها.

لا نبض.

احتضنتها وهي تصرخ.

صرخة مزقت سكون الحديقة.

أما فؤاد…

فكان ينظر حوله.

لا نافذة مكسورة.

لا أحد في الداخل.

ولا أي تفسير.

 

---

وبينما كانت نجلاء تبكي…

وقعت عيناها على الجدار الخشبي.

كانت هناك كلمات محفورة…

لم تكن موجودة من قبل.

“سمعتِ طرقاتي... كما سمعتِ طرقاتها.”

توقفت عن البكاء.

شحب وجهها.

وعادت إليها الذكرى كاملة.

مريم…

تطرق الباب من الداخل.

تستغيث.

وهي…

تبتعد.

ببطء.

دون أن تلتفت.

أطلقت نجلاء صرخة هستيرية.

واحتضنت جثة ابنتها بقوة.

وظلت تردد وسط دموعها:

“أنا اللي قتلتك يا مريم...”

“أنا اللي سبتك تموتي...”

“سامحيني...”

لكن…

لم يكن هناك من يسمع اعتذارها.

إلا الظلام.

 

---

في صباح اليوم التالي…

سجلت الشرطة وفاة رنا على أنها حادث غامض.

لم يجدوا أي دليل على وجود شخص آخر.

وأُغلق الملف.

لكن…

قبل أن يغادر الضابط المنزل…

توقف فجأة.

نظر نحو الطابق العلوي.

كان يظن أنه سمع…

ضحكة فتاة.

ثم هز رأسه ورحل.

وفي غرفة بعيدة داخل المنزل…

كان الهاتف  يرن للمرة الأولى منذ وفاة رنا.

وعندما نظرت إلى الشاشة…

وجدت رسالة من رقم مجهول.

“بقي ثلاثة.”

يتبع……..

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mariam تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

3

متابعهم

5

مقالات مشابة
-