رواية حكايات روني (الفصل 1):الطفل الذي حمل عالمين بداخله.. كيف تشكلنا كلماتهم قبل أن نفهمها؟
الفصل الأول: البذور “
الأطفال يرون أكثر مما نتخيل. الطفل الصغير لا يفهم معنى الغيبة، ولا يعرف ما هو التكبر، ولا يدرك قيمة الرضا، ولا يميز بين الحكمة والضعف. لكنه يمتص كل شيء؛ يمتص الكلمات قبل أن يفهم معناها، والتصرفات قبل أن يدرك نتائجها، ونظرات الكبار لبعضهم البعض، وأسلوبهم في الحديث، وطريقتهم في الحكم على الناس، تمامًا كالإسفنجة. ثم تمر السنوات، ويكتشف أن أشياء كثيرة ظنها جزءًا من شخصيته لم تبدأ منه أصلًا
في صباح صيفي هادئ من عام ١٩٩٢، كانت إحدى غرف المستشفى الحكومية الصغيرة تستعد لاستقبال ضيف جديد. خارج غرفة العمليات كان والد روني يسير جيئة وذهابًا؛ ينظر إلى الساعة، ثم إلى باب الغرفة، ثم يعود لينظر إلى الساعة من جديد. كان رجلًا بسيطًا من هؤلاء الرجال الذين يستيقظون قبل شروق الشمس بساعة، ويعودون إلى بيوتهم بعد غروبها بساعات، رجال لا يتحدث عنهم أحد ولا تظهر صورهم في الصحف، لكن بفضلهم تستمر الحياة.
كان والد روني يعمل طوال اليوم تقريبًا، يتحمل الحر والبرد والتعب، ويعود إلى بيته كل مساء حاملاً معه إرهاق يوم كامل وابتسامة يحاول أن يخفي بها تعبه عن زوجته. لم يكن غنيًا، ولم يكن صاحب نفوذ، لكنه كان يملك شيئًا لا يملكه كثيرون؛ ضميرًا مرتاحًا. وفي يوم ما، سيعرف روني قيمة هذا الشيء العظيم، لكن ليس الآن
بدأ أفراد العائلتين يتوافدون إلى المستشفى، الكل ينتظر، والكل يدعو ويترقب. في نهاية الممر جلس رجل تجاوز الستين من عمره، هادئ الملامح، أبيض الشعر، يحمل في يده سبحة صغيرة وبجواره مصحف بحجم الكف؛ كان هذا هو جد روني لأبيه. لم يكن كثير الكلام، بل كان من النوع الدافئ والوقور الذي يجعلك تشعر بالراحة والأمان لمجرد الجلوس بجواره.
أما في الجهة الأخرى من الممر، فكان هناك رجل آخر صوته يملأ المكان بالبهجة؛ يضحك ويصافح الجميع ويتحدث مع هذا وذاك، وفي جيبه رزمة من النقود الجديدة التي أعدها خصيصًا لهذا اليوم السعيد. كان هذا هو جد روني لأمه؛ رجل كريم، محب لأسرته، يعشق التجمعات والفرحة، ولم يكن يخفي سعادته أبدًا. كلا الرجلين أحب الطفل قبل أن يراه، ولكل واحد منهما طريقته الخاصة في رؤية الحياة.
بعد ساعات طويلة، خرج الطبيب أخيرًا وابتسم قائلاً: "مبروك.. جالكم ولد". في لحظة واحدة تبدل التوتر إلى فرحة عارمة وبكى الأب لأول مرة منذ سنوات، بينما همس الجد الهادئ وعيناه مغمضتان: "اللهم اجعله من الصالحين"، وبدأ الجد الآخر يوزع النقود ببهجة وكرم. لم يكن أحد يعلم أن هذا الطفل الصغير سيكبر يومًا ليحمل بداخله أثر كل شخص أحبه وعاش حوله، لأن الأطفال لا يتعلمون من الدروس فقط، بل من الحياة نفسها التي كانت على وشك أن تبدأ.
