حكايات روني /الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الثالث)

حكايات روني /الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الثالث)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حكايات روني /الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الثالث)

 

 نظر الحكيم إلى وجوه القوم حوله. 

ثم قال شيئًا بصوت هادئ. 

لم أفهم الكلمات، 

لكنني فهمت ردود الأفعال. 

بعض الرجال لم يعجبهم القرار.

 أحدهم تقدم خطوة، 

وأشار إليّ بغضب، 

ثم أشار إلى البحر. 

كان واضحًا أنه لا يثق بي. 

وبصراحة...

 لم أستطع لومه.

 لو ظهر شخص أمامي فجأة من قلب البحر بملابس لا أعرفها ويتحدث بلغة غريبة... 

ربما كنت سأفعل نفس الشيء.

 لكن الحكيم لم يغير رأيه. 

رفع يده فقط.

 فسكت الجميع.

 ثم أشار إليّ أن أتبعه. 

 

 

كان بيت الحكيم في طرف القرية. 

بعيدًا قليلًا عن باقي البيوت.

 لم يكن كبيرًا،

 لكنه كان مختلفًا. 

كل شيء بدا فيه قديمًا. 

ليس قديمًا بمعنى مهمل...

 بل قديمًا كأنه يحمل ذكريات أجيال.

 على الجدران كانت هناك علامات ورسومات لم أفهم معناها. 

أدوات صنعت يدويًا. 

وكتب أو ألواح لا تشبه أي شيء رأيته من قبل. 

جلست أمام النار في صمت. 

كنت أحاول استيعاب أنني انتقلت من عالم فيه سيارات وهواتف...

 إلى عالم فيه نار مشتعلة داخل البيت هي مصدر الضوء الوحيد.

 نظر الحكيم إليّ. 

ثم وضع أمامي قطعة خشب صغيرة.

 كان عليها رسم يشبه موجة كبيرة.

 ثم أشار إلى البحر. 

حاولت أن أسأله: 

"أنا فين؟" 

لكنه لم يفهم.

 ضحكت بيني وبين نفسي.

 "أول مرة في حياتي أحتاج أشرح كلمة فين بالإشارات." 

لكنه لم يضحك. 

فقط ظل ينظر إليّ. 

كأنه كان يحاول هو الآخر أن يفهم قصتي. 

وفجأة... 

تغير شيء. 

 

 

صوت.

 صوت لم أسمعه منذ وصلت.

 دوى في أنحاء القرية.

 دونـــــج... 

توقفت النار للحظة. 

أو هكذا شعرت. 

رفع الحكيم رأسه بسرعة. 

لم تكن نظرة شخص سمع صوتًا عاديًا. 

كانت نظرة شخص سمع شيئًا كان يتمنى ألا يسمعه. 

دونـــــج... 

جاء الصوت مرة أخرى. 

خرج الحكيم واقفًا. 

وتغير وجهه لأول مرة. 

تبعت نظرته إلى الخارج. 

فوجدت كل أهل القرية يتحركون في نفس الاتجاه. 

لا أحد يتكلم. لا أحد يسأل. الجميع يعرفون. 

خرجت خلفهم. 

وفي نهاية القرية... 

رأيته.

 برج خشبي مرتفع عند البحر. 

وفي أعلاه... 

كان هناك جرس ضخم أسود اللون.

 يهتز وحده.

 والريح لا تحركه. 

وقفت أنظر إليه باستغراب.

 لكن الناس من حولي لم يكونوا ينظرون إلى الجرس فقط... 

كانوا ينظرون إلى البحر. 

وكأنهم ينتظرون شيئًا سيخرج منه. 

اقترب مني الرجل الذي أنقذني.

 نظر إلى الجرس.

 ثم نظر إليّ. 

وقال كلمة واحدة. 

لم أفهم معناها...

 لكنني فهمت الخوف في عينيه. 

أشار إليّ. 

ثم أشار إلى البحر. 

وفي تلك اللحظة... 

بدأت أفهم. 

أن وصولي إلى هنا...

 لم يكن أغرب شيء حدث في هذه الليلة.

 

لم يتحرك أحد. 

كانت القرية كلها واقفة أمام البحر.

 الرجال الذين رأيتهم منذ ساعات،

والذين لم يخافوا من الأمواج ولا من المعارك...

 كانوا الآن ينظرون إلى الظلام بصمت. 

وهذا أكثر شيء أخافني. 

لأنني أدركت شيئًا...

 إذا كان هؤلاء الرجال يخافون... 

فما الذي يوجد هناك؟ 

اقترب الحكيم من البرج الخشبي. 

لم ينظر إلى الجرس. 

بل نظر إلى البحر.

 ظل واقفًا للحظات طويلة.

 ثم قال كلمات قصيرة. 

بدأ الناس يتحدثون بينهم. 

لم أفهم شيئًا.

 لكن من نبرة أصواتهم، 

كان واضحًا أن هناك خوفًا قديمًا عاد للظهور.

 

 

 اقتربت من الرجل الذي أنقذني.

 أشرت إلى الجرس. 

ثم إلى البحر. 

"إيه ده؟" 

نظر إليّ. ثم أشار إلى الجرس. 

ووضع يده على صدره. 

ثم أشار إلى البحر. 

كان يحاول أن يشرح لي شيئًا.

 فهمت كلمة واحدة فقط.

 "بحر." 

 

بعد قليل... 

عاد الحكيم إلى مكانه. 

وأمر الجميع بالعودة. 

لكن لا أحد عاد للنوم. 

كان واضحًا أن هذه الليلة مختلفة.

 دخلت خلف الحكيم إلى بيته.

 كان صامتًا.

 أشعل النار. 

ثم جلس أمامها.

 لأول مرة رأيت عليه التعب. 

ليس تعب الجسد...

 بل تعب شخص يحمل سرًا كبيرًا. 

أخرج قطعة خشب قديمة. 

كانت مختلفة عن كل شيء رأيته في بيته.

 عليها نفس العلامة التي رأيتها قبل ذلك. 

موجة كبيرة. 

وبجانبها شكل يشبه عينًا.

 وضعها أمامي.

 ثم أشار إلى البحر. 

ثم أشار إليّ.

 تجمدت. 

هل كان يتحدث عني؟ 

حاولت أن أسأله:

 "إنت فاكر أنا جيت إزاي؟" 

بالطبع... لم يفهم.

 لكنه ظل ينظر إليّ. 

ثم أشار إلى الخارج. 

إلى مكان الجرس.

 

 

 في الصباح...

 استيقظت على أصوات الناس. 

خرجت من البيت. 

فوجدت القرية كلها مشغولة. 

لكن هذه المرة لم يكن هناك احتفال. 

كان هناك بحث. 

رجال يجهزون السفن.

 وآخرون يتفقدون الشاطئ.

 اقتربت منهم.

 رأيت آثارًا على الرمال قرب البحر. 

آثارًا لم أفهمها. 

لكنها جعلت الجميع صامتين.

 اقترب أحد الرجال من الحكيم. 

قال له شيئًا. 

فتغير وجهه. 

ثم نظر إليّ.

 لم أحب تلك النظرة.

 لأنها كانت تعني شيئًا واحدًا.

 أنني أصبحت جزءًا من المشكلة. 

اقترب مني أحد الشباب الذين كانوا يعترضون وجودي منذ البداية. 

وأشار إليّ بغضب. 

ثم أشار إلى البحر.

 لم أحتج لترجمة. 

كان يقول:

 "منذ أن جاء هذا الغريب... بدأ كل شيء يحدث."

 نظرت إليه. 

ولأول مرة شعرت أن وجودي هنا قد لا يكون مجرد رحلة غريبة.

 قد يكون سببًا في خطر يواجههم. 

لكن قبل أن يزداد الأمر... 

رفع الحكيم يده. 

فسكت الجميع.

 ثم قال شيئًا جعل كل العيون تتجه نحوي.

 اقترب مني. 

ووضع القطعة الخشبية القديمة في يدي. 

ثم أشار إلى البحر. 

وأعطاني كلمة واحدة. 

الكلمة الوحيدة التي فهمتها منه بوضوح. 

"تعال." 

 

 

لم أفهم لماذا اختارني الحكيم.

 ولم أفهم لماذا وضع تلك القطعة الخشبية في يدي. 

لكنني فهمت شيئًا واحدًا...

 أنني لم أعد مجرد ضيف ينتظر أن يجد طريق العودة. 

كنت قد أصبحت جزءًا من شيء يحدث هنا. 

خرجنا من القرية قبل شروق الشمس.

 كنت أسير مع الحكيم وثلاثة من الرجال الذين اختارهم. 

كان البحر أمامنا هادئًا بشكل غريب. 

وهذا أكثر ما جعلني أشعر بالقلق. 

فمنذ وصلت إلى هذا المكان، 

تعلمت شيئًا واحدًا... 

عندما يكون البحر هادئًا جدًا... 

فغالبًا هناك شيء لا تراه. 

وصلنا إلى مكان قريب من البرج الذي يحمل الجرس.

 كان هناك قارب صغير ينتظرنا. 

صعدنا. 

جلس الرجال بطريقة منظمة،

 وكأنهم فعلوا ذلك آلاف المرات. 

أما أنا... فكنت أحاول فقط ألا أسقط.

تحرك القارب بعيدًا عن الشاطئ. 

ظل الحكيم ينظر إلى المياه. 

ثم أخرج القطعة الخشبية.

 كانت عليها علامات لم أفهمها.

 قربتها من الضوء. ولاحظت شيئًا.

 العلامة لم تكن مجرد رسم. 

كانت تشبه خريطة.

 خطوط صغيرة.

 دوائر.

 وعلامات حول البحر. 

أشرت إليها للحكيم.

 ثم أشرت إلى البحر.

 فنظر إليّ باستغراب.

 أخذ القطعة مني.

 ثم أعاد النظر إليها.

 للحظة...

شعرت أنني لاحظت شيئًا لم يلاحظه هو.

اقتربت أكثر.

 وأشرت إلى أحد الخطوط. 

ثم أشرت إلى اتجاه معين في البحر. 

نظر الرجال إلى بعضهم.

 قال أحدهم شيئًا بسرعة. 

الحكيم ظل صامتًا.

 ثم أشار للقارب أن يغير اتجاهه. 

بعد دقائق...

 وصلنا إلى مكان لم يكن فيه شيء واضح.

 فقط ماء. 

لا صخور. 

لا جزر.

 لا أي علامة. 

نظر الرجال حولهم بحيرة.

 لكنني لم أستطع أن أتجاهل شيئًا. 

كان هناك اختلاف في حركة المياه. 

دوائر صغيرة تظهر وتختفي. 

وكأن شيئًا تحتنا يتحرك. 

أشرت إليها. 

في البداية لم يهتم أحد.

 ثم اقترب أحد الرجال ونظر

. تغير وجهه. 

أشار للحكيم بسرعة. 

وفجأة... ساد الصمت. 

 

وضع الجميع أيديهم على أسلحتهم. 

لم أعرف ماذا يحدث. 

لكنني عرفت أن هناك شيئًا في الماء.

 شيء جعل هؤلاء الرجال الذين لا يخافون البحر...

 يستعدون للخطر.

 اقترب الحكيم من حافة القارب. 

نظر إلى الماء.

ثم نظر إليّ. 

كانت نظرته مختلفة. 

كأنه يسألني:

 "كيف عرفت؟" 

لم أملك إجابة. 

أنا نفسي لم أعرف. كنت فقط أراقب. 

مثلما كنت أفعل دائمًا. 

لكن في عالمهم...

 ربما كانت الملاحظة أهم من القوة.

 وفجأة...

 خرج شيء من الماء. 

لم يكن مخلوقًا. 

ولم يكن وحشًا. 

بل كان جزءًا من سفينة قديمة غارقة. 

خشب أسود. 

وعليه نفس العلامة الموجودة على القطعة التي معي.

 نظر الحكيم إليها... 

ثم نظر إليّ. 

وفي تلك اللحظة...

 تغير كل شيء.

 لأن الرجل الذي ظل يحاول فهمي منذ وصلت... 

بدأ للمرة الأولى...

 يعتقد أنني قد أكون مرتبطًا بهذا السر

 

عاد القارب إلى القرية قبل الغروب.

 لكننا لم نعد كما خرجنا.

 قبل ساعات...

 كنت مجرد غريب جاء من البحر.

 أما الآن... 

فقد أصبح معي دليل على أن البحر أخفى شيئًا لسنوات طويلة. 

وفي تلك الليلة... 

وقف الحكيم أمام أهل القرية. 

رفع القطعة الخشبية.

 ثم أشار إليّ.

 وقال كلمات جعلت الجميع يصمت. 

لم أفهم معناها... 

لكنني فهمت نظراتهم.

 لم تعد نظرات خوف فقط. 

بل كانت نظرات سؤال.

 وكأنهم جميعًا يريدون معرفة شيء واحد:

 من هو روني؟؟؟

 ولماذا أعاده البحر إليهم؟

 

يتبع…

 

 

image about حكايات روني /الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الثالث)

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد جمال تقييم 4.94 من 5. حقق

$0.12

آخر 30 يومًا
المقالات

13

متابعهم

3

متابعهم

1

مقالات مشابة
-