حكايات روني/الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الأخير).

حكايات روني/الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الأخير).

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حكايات روني/الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الأخير).

 

انتهى كل شيء... 

عاد الرجال إلى قريتهم.

 وعادت السفن إلى الميناء.

 واختفت أصوات السيوف... 

ليحل محلها صوت البحر من جديد.

 لكن هذه المرة...

 كان البحر هادئًا. 

هادئًا كأنه يعلم أن حكايةً أوشكت على نهايتها. 

 

في تلك الليلة... 

أشعل أهل القرية النيران على امتداد الشاطئ. 

لم يكن احتفالًا بالنصر...

 بل احتفالًا بشخص لم يكن واحدًا منهم يومًا. 

ورغم ذلك... 

ترك أثرًا في حياة كل واحد منهم. 

كان الأطفال يركضون حوله وهم يضحكون.

 والرجال الذين كانوا ينظرون إليه بريبة في أول يوم... 

صاروا يربتون على كتفه باحترام.

 بعد انتهاء الاحتفال...

 اقترب الحكيم من

ه. وأشار إليه أن يتبعه. 

سارا معًا حتى وصلا إلى نفس الصخرة المطلة على البحر... 

التي كان الحكيم يقف عندها كلما أراد أن يفكر.

 وقف العجوز صامتًا للحظات.

 ثم قال بلغته الهادئة... 

وتوقف بين كل جملة وأخرى،

 وكأنه يمنح روني وقتًا ليفهمها من تعابير وجهه. 

ثم وضع يده على صدره. 

وأشار إلى روني. 

ثم فتح كفيه نحو السماء. 

كان روني قد تعلم من لغتهم ما يكفي ليفهم المقصود. 

ابتسم الحكيم وقال ببطء: 

"لقد أعطيت... أكثر مما أخذت."

 ثم أشار إلى البحر. 

وأضاف: 

"واليوم... جاء دورنا."

 صمت قليلًا. 

ثم نظر مباشرة في عيني روني وقال: 

"اطلب..."

 تردد روني

 كانت أمامه آلاف الأمنيات. 

أن يعرف كيف جاء.

 أن يعرف سر البحر. 

أن يبقى مع هؤلاء الذين أصبحوا عائلته الثانية.

 لكنه لم يطلب شيئًا من ذلك. 

 

أغمض عينيه...

 فرأى وجه أمه. 

ورأى والده. 

وتذكر بيته. 

فتح عينيه مرة أخرى.

 وأشار إلى نفسه. 

ثم إلى البحر.

 ثم مد يده ناحية الأفق البعيد، 

حيث وطنه.

 وقال بصوت خافت:

 "أريد... أن أعود." 

نظر الحكيم إليه طويلًا...

 

لم يقل الحكيم شيئًا.

 اكتفى بهز رأسه ببطء.

 ثم رفع يده نحو السماء... 

وأطلق صفيرًا قصيرًا. 

وخلال لحظات...

 بدأ أهل القرية يتجمعون على الشاطئ.

 الرجال...

 النساء... 

الأطفال...

 حتى الشيوخ الذين نادرًا ما كانوا يغادرون بيوتهم.

 وقف الجميع في صمت. 

لم يكن صمت حزن...

 بل صمت احترام.

 تقدم إيرن أولًا.

 كان أول شخص مد يده لروني عندما وصل إلى هذه الأرض. 

ابتسم، 

ثم خلع السوار الجلدي الذي كان يلتف حول معصمه. 

ووضعه في يد روني. 

ربت على كتفه. 

ثم احتضنه بقوة.

 لم ينطقا بكلمة.

 لكن روني فهم كل شيء. 

بعده... 

تقدم المحارب الذي رفض وجوده منذ اليوم الأول.

 نظر إلى روني للحظات.

 ثم وضع قبضته على صدره، 

في التحية التي اعتادها رجال القبيلة.

 فرد روني التحية بالطريقة نفسها. 

ابتسم الرجل لأول مرة...

 ثم عاد إلى مكانه.

 أما الأطفال...

 فكان وداعهم أصعب. 

تعلق أحدهم بذراع روني وهو يرفض أن يتركه. 

ابتسم روني، 

وانحنى حتى أصبح في مستواه.

 ربت على رأسه، 

ثم أشار إلى البحر...

 ورسم بإصبعه دائرة صغيرة على الرمال.

 كان وعدًا صامتًا... 

أنه لن ينساهم.

 

 

اقترب الحكيم للمرة الأخيرة. 

أخرج من تحت عباءته قطعة خشبية صغيرة.

 كانت قديمة... 

وعليها نفس العلامة التي رآها روني في أول ليلة داخل بيت الحكيم.

 وضعها في يده. 

ثم أغلق أصابعه عليها. 

وقال بهدوء: 

"هناك أوطان يولد فيها الإنسان...

" وسكت لحظة. "...

وهناك أوطان يختارها قلبه.

رفع رأسه نحو البحر.

 ثم أكمل: 

"إذا اشتقت إلينا يومًا..."

 "فلا تبحث عنا."

 نظر إلى روني مبتسمًا.

 وأضاف: 

"ابحث عن البحر..."

 "وسيبحث البحر عنك."

 ارتجف قلب روني. 

أراد أن يقول أشياء كثيرة. 

أن يشكرهم. 

أن يخبرهم أنهم غيّروا حياته. 

لكن الكلمات خانته.

 فاكتفى بأن وضع يده على صدره... 

كما تعلم منهم. 

ثم انحنى احترامًا.

 وفي اللحظة نفسها... 

بدأت الأمواج تعلو ببطء. 

نظر الحكيم إلى البحر.

 ثم أشار لروني أن يتقدم.

 أخذ روني نفسًا عميقًا... 

وسار نحو الماء. 

دون أن يلتفت خلفه. 

لكنه كان يسمع...

 أصوات أهل القرية جميعًا خلفه. 

وكأن البحر نفسه... 

يودعه معهم.

 

عندما لامست قدماه الماء...

 أغمض روني عينيه. 

كان يسمع صوت الأمواج يعلو شيئًا فشيئًا. 

ثم...

 اختفى كل شيء. ---

 

 فتح عينيه على صوت أشخاص يصرخون. 

كان مستلقيًا على الشاطئ. 

الرمال دافئة. 

ورائحة البحر مألوفة.

 رفع رأسه بصعوبة. 

وجد عشرات الأشخاص يحيطون به. 

ورجل إسعاف يقترب منه بسرعة.

 قال وهو يطمئنه:

 "الحمد لله... أنت كويس؟"

 نظر روني حوله في ذهول. 

هذه هي مصر...

 لا شك في ذلك.

 لكنها بدت مختلفة بعد كل ما عاشه.

 بعد ساعات...

 وصل إلى منزله

. فتح الباب ببطء. 

وقبل أن ينطق بكلمة... 

احتضنته أمه وهي تبكي.

 أما والده...

 فاكتفى بأن يضع يده على كتفه. 

وقال بصوت مكسور:

 "حمد لله على السلامة يا ابني." 

 

لم يكن روني بحاجة إلى أكثر من هذه الكلمات. ---

 مرت الأيام...

 ثم الأسابيع...

 ثم الشهور.

 حاول أن يعود إلى حياته كما كانت.

 عاد إلى أصدقائه. 

وعاد إلى شوارع مدينته.

 لكن شيئًا بداخله... 

لم يعد كما كان. 

كان يستيقظ أحيانًا قبل الفجر... 

وكأنه ينتظر صوت المجاديف.

 وأحيانًا ينظر إلى البحر لساعات...

 دون أن يعرف لماذا. --- 

 

بعد عام كامل...

 قرر أن يعود إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.

 وقف على نفس الشاطئ...

 الذي انطلقت منه الرحلة.

 كان البحر هادئًا. 

نظر إلى الأفق طويلًا.

 ثم ابتسم. للحظة...

 تخيل الحكيم واقفًا بعيدًا على الشاطئ الآخر.

 يرفع يده...

 ويبتسم له.

 أغمض عينيه.

 وعندما فتحهما...

 لم يكن هناك أحد. 

عاد إلى منزله في تلك الليلة. 

جلس أمام حاسوبه.

 وبدأ يبحث. 

كتب: 

"قبائل بحرية قديمة."

 ثم: 

"جزر معزولة شمال أوروبا."

 ظل ينتقل بين عشرات الصفحات... 

حتى توقف عند خبر صغير. 

"جزيرة نائية... يُمنع الاقتراب منها." 

فتح الخبر بسرعة.

 ظهرت أمامه صور قليلة التُقطت من مسافة بعيدة.

 جبال...

 ميناء خشبي...

 وبيوت متراصة على الساحل.

 اتسعت عيناه. 

همس بصوت يكاد لا يُسمع:

 "دي هي..." 

ظل يحدق في الصور طويلًا.

 ثم أغلق الحاسوب ببطء. 

واستند إلى كرسيه. 

لم يكن يفكر في الماضي...

 بل في المستقبل.

 هل يمكن أن يعود؟ 

وهل ما قاله الحكيم كان حقيقة...

 أم مجرد كلمات وداع؟

 ابتسم روني ابتسامة خفيفة. 

ثم نظر من نافذته نحو البحر البعيد.

هل يعود روني إلى تلك الجزيرة يومًا؟

 ربما... 

ولكن ليس الان. 

 

تم
 

image about حكايات روني/الغريب الذي خرج من البحر(الفصل الأخير).
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد جمال تقييم 4.95 من 5. حقق

$0.12

آخر 30 يومًا
المقالات

15

متابعهم

4

متابعهم

1

مقالات مشابة
-