حكايات روني/الغريب الذي خرج من البحر (الفصل الرابع)
حكايات روني/الغريب الذي خرج من البحر (الفصل الرابع)
ساد الصمت.
مرر يده على العلامة المحفورة منذ أجيال،
ثم نظر إلى البحر للحظات طويلة...
وكأنه يتأكد أن ما كان يخشاه قد حدث.
ثم استدار ببطء.
لم ينظر إلى الرجال الأقوياء.
ولا إلى قادة السفن.
ولا إلى شيوخ القرية.
بل...
أشار بيده نحو روني.
تجمد الجميع.
حتى روني نفسه لم يتحرك.
لم يكن يعرف لماذا أصبحت كل العيون عليه.
اقترب الحكيم من البحر،
ورفع صوته
. كانت كلماته قديمة...
كأنها خرجت من أفواه أجداد رحلوا منذ مئات السنين.
هذه ليست حكاية...
هذه رسالة تركها لنا من سبقونا.
ثم نظر مرة أخرى إلى روني وقال:
"الغريب الذي لا يشبهنا..."
صمت لحظة.
وكأن الكلمات التالية كانت أثقل من أن تُقال.
"الذي سيظهر من بين أمواج البحر..."
"وسيغير حياتنا."
انتشرت الهمسات بين الناس.
بعضهم نظر إلى روني بدهشة.
وبعضهم بخوف.
أما روني...
فوقف صامتًا.
لأول مرة منذ وصل إلى هذا العالم...
لم يشعر أنه مجرد شخص ضائع.
بل شعر أن هناك شيئًا أكبر منه بكثير...
شيئًا بدأ قبل أن يولد.
وبدأ الآن معه.
كل شخص في القرية كان ينظر إلى روني بطريقة مختلفة.
البعض رأى فيه إجابة لسر قديم.
والبعض رأى فيه مجرد غريب حصل على اهتمام أكبر مما يستحق.
أما روني...
فكان أكثر شخص لا يفهم ما يحدث.
وقف وسطهم يحاول أن يربط الأحداث ببعضها.
منذ أيام كان شابًا عاديًا في رحلة مع أصدقائه.
واليوم...
أصبح شخصًا تتحدث عنه حكاية عمرها مئات السنين.
تقدم أحد الرجال.
كان طويلًا وقوي البنية.
يحمل آثار معارك كثيرة على وجهه ويديه.
عرف روني من نظراته أنه ليس من الأشخاص الذين يرحبون به.
وقف أمام الحكيم وقال كلمات غاضبة.
كان يشير إلى روني.
ثم إلى البحر
. ثم هز رأسه رافضًا.
لم يكن يحتاج روني إلى ترجمة.
الرجل لا يصدقه.
رفع الحكيم يده.
فهدأ الجميع.
ثم اقترب من الرجل وتحدث معه بهدوء.
لكن الرجل لم يتراجع.
أشار إلى سيفه.
ثم إلى روني.
فهم روني شيئًا واحدًا...
هذا الرجل يريد منه أن يثبت نفسه.
في اليوم التالي...
بدأت القرية كلها تستعد لشيء جديد.
لم يكن احتفالًا.
ولم يكن حربًا.
كان اختبارًا.
الحكيم أخبرهم أن رسالة الأجداد لم تقل إن القادم من البحر سيكون قويًا أو محاربًا.
بل قالت إنه سيعرف الطريق عندما يضيع الجميع.
ولهذا...
قرر وضع اختبارات ل روني.
اختبارات لا تعتمد على القوة.
بل على ما يميزه عنهم.
كان الاختبار الأول أمام البحر.
أخذوه إلى الشاطئ عند الفجر.
أمامهم عدة قوارب صغيرة.
أشاروا إلى البحر.
ثم أشاروا إلى علامة بعيدة في الماء.
كان المطلوب أن يصلوا إليها.
نظر روني إلى القوارب.
ثم إلى الأمواج.
كان الجميع ينتظر منه أن يختار أسرع قارب.
لكن روني لم يتحرك.
ظل يراقب.
راقب اتجاه الريح.
حركة الماء.
والطيور التي كانت تحلق في اتجاه معين.
استغربوا.
لماذا يقف هكذا؟
اقترب منه أحد الرجال بسخرية.
لكن روني أشار إلى البحر.
ثم أشار إلى جهة أخرى.
لم يفهموا.
حتى جاء الحكيم.
نظر إلى المكان الذي يشير إليه روني.
ثم صمت.
لأن المكان الذي اختاره روني...
كان هو الطريق الآمن.
أما الطريق الذي كانوا سيأخذونه...
فكان سيقودهم إلى منطقة تكثر فيها الصخور تحت الماء.
نظر الرجال لبعضهم.
لأول مرة...
لم يروا في روني شخصًا ضعيفًا لا يعرف عالمهم.
بل شخصًا يرى أشياء لا يلاحظونها.
لكن الرجل الذي اعترض عليه من البداية...
لم يقتنع.
اقترب من الحكيم وقال شيئًا.
ثم نظر إلى روني.
كانت نظراته تقول:
"اختبار واحد لا يكفي."
وفي تلك اللحظة...
عرف روني أن أصعب شيء في هذا العالم...
لن يكون البحر.
بل إقناع الناس بأنه يستحق أن يكون بينهم.
لم يكن أحد يتوقع الاختبار الحقيقي لروني...
لن يأتي من الحكيم.
بل سيأتي من خارج حدود القرية.
بعد أيام قليلة من ظهور رسالة الأجداد،
وصل خبر غيّر كل شيء.
قارب ظهر عند أطراف البحر.
لكن هذه المرة...
لم يحمل معه خيرات أو صيادين عائدين.
كان يحمل رسالة.
رسالة من قوم آخرين يعيشون خلف الجبال البعيدة.
قوم لم تكن علاقتهم بهم جيدة منذ سنوات طويلة.
عندما قرأ الحكيم الرسالة،
تغير وجهه.
سألته العيون حوله.
فقال كلمة واحدة جعلت الجميع يتحرك:
"الحرب."
لم يفهم روني كل شيء.
لكنه فهم من حركة الناس.
الرجال بدأوا يستعدون.
السيوف خرجت.
والسفن بدأت تُجهز.
كل شيء كان يتجه نحو مواجهة.
اقترب روني من إيرن وحاول أن يفهم.
فشرح له بالإشارات.
كانت المشكلة قديمة.
منذ سنوات،
حدث خلاف على منطقة في البحر.
كل قبيلة كانت ترى أن المكان حقها.
ومع مرور الوقت...
تحول الخلاف إلى كراهية.
حتى إن الأطفال الذين وُلدوا بعد المشكلة أصبحوا يحملون غضبًا لم يعرفوا سببه.
نظر روني باستغراب.
"يعني الناس دي بتحارب بعض عشان حاجة حصلت قبل ما يتولدوا؟"
كانت الفكرة غريبة بالنسبة له.
لكنها ليست غريبة عن البشر.
في اليوم التالي...
اجتمع الطرفان عند حدود البحر.
كان المشهد مخيفًا.
رجال يحملون الأسلحة.
وجوه غاضبة.
كل شخص ينتظر أول حركة من الآخر.
تقدم قائد القوم الآخرين.
وقال كلمات قوية.
رد عليه قائد محاربي القرية.
وارتفعت الأصوات.
كان واضحًا أن النهاية ستكون قتالًا.
لكن روني لاحظ شيئًا.
شيئًا لم يلاحظه أحد
. لم تكن أعينهم على المكان الذي يتشاجرون عليه.
كانت أعينهم على شيء آخر.
على البحر.
اقترب من الحكيم وأشار إلى الماء
. ثم إلى الرجال.
ثم هز رأسه.
الحكيم فهم أنه يريد أن يقول شيئًا.
أعطاه فرصة.
تقدم روني أمام الجميع.
ضحك بعض الرجال.
غريب لا يعرف لغتهم...
يقف بين محاربين يستعدون للحرب؟
لكن روني لم ينظر إليهم.
نظر إلى البحر.
ثم أشار إلى المكان المتنازع عليه.
وبدأ يرسم على الرمل.
خطوطًا.
ومسافات.
ومواقع.
كان يرسم ما فهمه.
المكان لم يكن ملكًا لأي منهم.
لأن البحر نفسه كان يتغير.
ما كان أرضًا قبل سنوات...
أصبح جزءًا من طريق الأمواج.
والذي يملك المكان اليوم...
قد يفقده غدًا.
ظل الجميع ينظرون إلى الرسم.
ثم تحدث روني مع إيرن،
الذي بدأ يترجم ما يستطيع.
لكن المفاجأة لم تكن في كلام روني...
بل في شيء آخر.
طلب روني من الطرفين أن يرسلا شخصين فقط إلى المكان.
واحدًا من كل قبيلة.
ليثبتوا الحقيقة.
تردد الجميع.
لكنهم وافقوا.
عاد الرجلان بعد وقت طويل.
وكانت المفاجأة...
أنهما وجدا نفس الشيء الذي قاله روني.
المكان الذي حاربوا عليه سنوات...
لم يعد كما كان.
والأرض التي اختلفوا عليها...
كانت تختفي شيئًا فشيئًا مع حركة البحر.
ساد الصمت.
لأن الحقيقة كانت أقوى من أي سيف.
نظر قائد القبيلة الأخرى إلى روني.
ثم إلى الحكيم.
وقال شيئًا.
ترجمه إيرن بصعوبة:
"الغريب رأى ما لم نره."
في ذلك اليوم...
لم تُرفع السيوف.
ولم تبدأ الحرب.
بل حدث شيء لم يحدث منذ سنوات.
جلس القائدان معًا لأول مرة.
ليس لأنهما أصبحا أصدقاء...
ولكن لأن شخصًا غريبًا جاء من البحر...
وجعلهم يرون المشكلة من زاوية جديدة.
وقف الحكيم بجانب روني.
ولم يقل شيئًا.
لكنه للمرة الأولى...
ابتسم.
لأنه بدأ يفهم معنى رسالة الأجداد.
لم يأتِ القادم من البحر ليحارب عنهم.
بل ليجعلهم يتوقفون عن الحرب.
يتبع
