الساعة التي تعود إلى الماضي
⏳ الساعة التي تعود إلى الماضي ⏳
كان سامح شابًا هادئًا يعيش في منزل قديم ورثه عن جده بعد وفاته. وبينما كان يرتب مقتنيات المنزل استعدادًا لتجديده، عثر على صندوق خشبي صغير مغطى بطبقة سميكة من الغبار. كان الصندوق مغلقًا بمفتاح نحاسي قديم، وبعد محاولات عديدة استطاع فتحه. في الداخل وجد ساعة جيب ذهبية لامعة، رغم مرور عشرات السنين عليها، وكأن الزمن لم يترك عليها أي أثر.
لفت انتباهه نقش صغير على الغطاء كتب عليه: "لا تعبث بالوقت إن كنت تخشى الحقيقة." ابتسم ساخرًا وهو يظن أنها مجرد عبارة غامضة اعتاد الأجداد كتابتها على مقتنياتهم، ثم وضع الساعة في جيبه.
في تلك الليلة، وعندما دقت الساعة الثانية عشرة، سمع رنينًا خافتًا صادرًا من ساعة الجيب. أمسكها بدهشة، وفجأة شعر بدوار شديد، ثم وجد نفسه يقف في المكان نفسه، لكن الوقت عاد عشر دقائق إلى الوراء. في البداية اعتقد أنه يحلم، لكن عندما رأى الأحداث تتكرر أمامه أدرك أن ما يحدث حقيقي.
قرر أن يستغل هذه القدرة في أشياء بسيطة؛ فإذا أخطأ في حديث مع أحد عاد إلى الماضي وصحح كلماته، وإذا نسي شيئًا أعاد الوقت واستدركه. بدا الأمر وكأنه هدية لا تقدر بثمن، وأصبح يعتمد على الساعة في كل موقف تقريبًا.
لكن بعد أيام بدأت الأمور تتغير. ففي كل مرة يعود فيها إلى الماضي، كان يلاحظ ظهور رجل غامض يقف بعيدًا ويراقبه بصمت. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا وقبعة تخفي ملامحه، ولم يكن يراه أحد غير سامح.
حاول تجاهل الأمر، إلا أن الرجل كان يقترب أكثر مع كل عودة إلى الماضي. وفي إحدى الليالي، وبعد استخدام الساعة للمرة العشرين، اقترب الرجل منه وقال بصوت هادئ: "لكل دقيقة تستعيدها... دقيقة تضيع من مستقبلك."
ارتبك سامح وسأله: "من أنت؟"
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة وقال: "أنا مجرد شاهد على من يحاول تغيير ما لا يجب تغييره."
عاد الرجل واختفى في الظلام، بينما بقيت كلماته تدور في رأس سامح. لكنه لم يقتنع، وظن أنها مجرد أوهام سببها الإرهاق، فواصل استخدام الساعة.
بدأ يلاحظ بعدها أن بعض ذكرياته تختفي تدريجيًا. نسي أسماء أصدقاء قدامى، ولم يعد يتذكر بعض المواقف الجميلة التي عاشها مع عائلته. ثم حدث ما هو أغرب؛ فقد نظر إلى صور قديمة تجمعه بوالده، لكنه لم يتذكر متى التقطت أو ماذا حدث في ذلك اليوم.
شعر بالخوف لأول مرة. أدرك أن الساعة لا تعيد الزمن مجانًا، بل تأخذ منه شيئًا في المقابل.
قرر التخلص منها، فألقاها في نهر قريب، لكنه عندما عاد إلى منزله وجدها فوق مكتبه، تلمع كما كانت، وكأنها لم تغادره أبدًا.
في الليلة التالية، دقت الساعة منتصف الليل من تلقاء نفسها، وبدأت عقاربها تدور بسرعة غير طبيعية. انطفأت الأنوار، وامتلأت الغرفة بصوت يشبه همسات بعيدة. ثم ظهر الرجل الغامض مرة أخرى، لكنه هذه المرة قال: "انتهى الوقت."
وفجأة وجد سامح نفسه داخل المنزل القديم كما كان قبل خمسين عامًا. الأثاث جديد، والجدران سليمة، وفي إحدى الغرف رأى طفلًا صغيرًا يلعب بساعة ذهبية... كانت الساعة نفسها.
اقترب منه ببطء، ثم تجمد في مكانه عندما رأى وجه الطفل. لم يكن طفلًا غريبًا، بل كان جده في صغره.
أدرك سامح أن الساعة كانت تنتقل من جيل إلى آخر، وأن كل من استخدمها دفع ثمنًا لا يراه إلا بعد فوات الأوان. فهم أخيرًا معنى العبارة المنقوشة عليها: "لا تعبث بالوقت إن كنت تخشى الحقيقة."
وفي اللحظة التي حاول فيها تحذير الطفل، عاد كل شيء إلى الظلام، واختفى المنزل، واختفى الرجل الغامض، وحتى الساعة نفسها.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ سامح في سريره، لكنه وجد شيئًا واحدًا فقط على الطاولة بجواره: مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، هو نفسه مفتاح الصندوق الذي وجد الساعة بداخله.
ابتسم ابتسامة قلقة، ثم أخفى المفتاح في درج مغلق، وأقسم ألا يبحث عن الصندوق مرة أخرى. ومع ذلك، كان يسمع أحيانًا، في هدوء الليل، صوت دقات ساعة بعيدة، وكأنها لا تزال تنتظر شخصًا جديدًا يفتح الصندوق ويبدأ الحكاية من جديد.