الفصل الاول
الريشة البيضاء
لم يكن أحد في المدينة يعرف أن خلف ذلك المنزل الصغير، الذي تتسلق نباتات الياسمين جدرانه الحجرية،
تكمن أكبر مكتبة خاصة يمكن أن يراها إنسان.
كان المنزل هادئًا على الدوام، لا يقطعه سوى زقزقة العصافير مع شروق الشمس، أو صوت تقليب الصفحات في ساعات المساء.
في الطابق العلوي، كانت توجد غرفة واسعة ذات سقف مرتفع، تتراص على جدرانها رفوف خشبية عتيقة تمتد من الأرض حتى السقف، وتحمل مئات الكتب ذات الأحجام والألوان المختلفة. بعضها مغلف بالجلد البني، وبعضها بلون الزمرد، وبعضها الآخر لا يحمل عنوانًا على غلافه، وكأنه يخفي أسراره عمدًا.
وفي منتصف الغرفة وُضع مقعد هزاز قديم، وإلى جواره مدفأة حجرية، وفوقها ساعة نحاسية عتيقة لا يسمع منها إلا صوت عقاربها المنتظمة.
كانت تالا تعشق تلك الغرفة أكثر من أي مكان آخر في العالم.
فقد ورثتها عن جدها، الذي كان يقول لها وهي صغيرة:
"كل كتاب يحمل روحًا، وبعض الأرواح لا ينبغي إيقاظها."
كانت تضحك كلما تذكرت كلماته، وتظن أنه كان يحاول فقط أن يجعل القصص أكثر إثارة.
مرت السنوات...
ورحلت والدتها، ثم والدها، ثم جدها.
ولم يبق لها من العائلة سوى ابنتها الصغيرة إيلورا، التي أصبحت عالمها كله.
في كل ليلة، وبعد أن تنتهي من أعمال المنزل، كان تصعد معها إلى المكتبة، وتجعل من القراءة عادة لا تتخلى عنها مهما كانت مشاغل الحياة.
وفي تلك الليلة...
كانت الأمطار تنقر زجاج النوافذ برفق، بينما كانت الرياح تداعب أغصان الأشجار في الحديقة.
دخلت إيلورا الغرفة وهي تحتضن وسادتها الصغيرة، ثم قالت وهي تبتسم:
"أمي... أي قصة سنقرأ الليلة؟"
أغلقت تالا الكتاب الذي كانت ترتب صفحاته، ثم ابتسمت وقالت:
"هذا يتوقف عليكِ. هل تريدين قصة عن الفرسان؟ أم عن البحار؟ أم عن التنانين؟"
جلست إيلورا على السجادة، وأخذت تفكر قليلًا، ثم هزت رأسها.
"لا... أريد قصة لم يقرأها أحد من قبل."
ضحكت تالا وهي تربت على رأسها.
"إذن سيكون علينا أن نفتش في الأرفف القديمة."
أخذت المصباح الزيتي الصغير، واتجهت نحو آخر رف في المكتبة، وهو رف لم تقترب منه منذ سنوات.
كان الغبار يغطي الكتب حتى بدت كأن الزمن نسيها.
مدت يدها نحو أحد الكتب، ثم تراجعت.
لا تعلم لماذا شعرت بأن قلبها يخفق أسرع من المعتاد.
انتقلت إلى كتاب آخر، ثم ثالث.
لكن شيئًا ما جذب بصرها إلى كتاب أسود كبير، لا يشبه بقية الكتب.
كان غلافه أملس، لا يحمل اسمًا، ولا عنوانًا، ولا حتى زخرفة واحدة.
همست لنفسها:
"غريب... لا أذكر أنني رأيت هذا الكتاب من قبل."
أمسكت به وسحبته برفق.
وفي اللحظة التي غادر فيها مكانه...
دوّى صوت خافت في أرجاء المكتبة.
هووو...
تجمدت ت في مكانها.
رفعت رأسها نحو النافذة.
وهناك...
كانت تقف بومة بيضاء ضخمة، أكبر من أي بومة رأتها في حياتها.لم تكن تتحرك.
كانت تحدق إليها بعينين ذهبيتين براقتين، وكأنها تنتظرها منذ زمن طويل.
ابتلعت تالا ريقها.
أما إيلورا، فقد اقتربت من النافذة بفضول وقالت:
"ما أجملها! هل جاءت لتستمع إلى القصة معنا؟"
لكن البومة لم تصدر أي صوت.
بل رفرفت بجناحيها مرة واحدة فقط...
فاندفعت نسمة باردة داخل الغرفة.
وفي اللحظة نفسها...
سقطت ريشة بيضاء طويلة كانت موضوعة منذ سنوات فوق إطار صورة قديم لجد تالا.
تدحرجت الريشة على الأرض، حتى توقفت تمامًا عند قدميها.
انحنت تالا والتقطتها ببطء...
وما إن لامستها أصابعها...
حتى شعرت بدفء غريب يسري في يدها.
فرفعت رأسها نحو النافذة مرة أخرى...
لكن البومة...
اختفت………..
يتبع …….