ميراث النكد.. دهب وعطوان
ميراث النكد: دهب وعطوان
"لأن النكد فن تجسيدي"، فقد آثرت (بهجات) أن تكون أيقونته.. واعتنت بتفاصيل قدرتها على بلوغ تلك المكانة الرفيعة، حتى لقد كانت تتابع عن كثب كل جديد في هذا الفن، ويقشعر بدنها كلما سمعت عن حيلة مبتكرة، بل وتسري في دماءها نشوة الرغبة في تجريبها.. لقد تخرجت هذه المرأة - تلك التي ليس لها نصيب من اسمها - في جامعة أمها الراحلة صاحبة المرجعية والتأصيل، وتربت على أن النكد هو "ملح الحياة الزوجية".. وما قال لها أحد قط أن "كثرة الملح تضر بالقلب والكلى وأعضاء أخرى".. لكن من كان يجرؤ أن يفتح ما بين شفتيه في حضور الحاجة (دهب).. لألقت عليه زخات من السباب العنيف مصحوبة بسيل عرم من اللعنات، مع وابل من الرذاذ الدقيق، وبعض من الرذاذ اللغيظ المقرف..
إنها "حرب كلامية-كيماوية-بيولوجية" تشنها الحيزبون على كل من تخطى حد من الحدود التي رسمتها على أرض الحياة.. وليس من مشكلة في أن تبدل الحدود والقواعد كلما دعت لذلك ظروفها العتيدة، فضلا عن مزاجها الملعون!

ويا لـ (عطوان) المسكين.. كم كان زوج ضعيف، وأب مستهان.. عاش ومات مثل ظل النهار؛ سريع الزوال، لا يسر ولا يضر.. ولقد تجرأت عليه ابنتاه؛ (بهجات)، وأختها (كاملة) بتحريض مباشر وغير مباشر من أمهما الجسورة! فكان كتمثال تدربت عليه الفتاتان، تلكماه بالكلمات، وتركلاه باللعنات، وليس من مانع أبدا في أن تجرحاه بمشراط حاد.. نصله متشعب.. لقد كان الرجل مثالاً صارخاً للاستباحة والاستبداد من قبل نسوة بيته.. وفي يوم حاول (عطوان) أن يشهر سيفه في وجوههن، قجعلنه رمزا للاستهجان.. حتى لقد كانت تتندر بخيبته نساء الحي أجمع.. الأمر الذي جعل تدفق الدم يتعثر في عروقه من كثرة من حمل في نفسه من كسر الخاطر، وكبت المشاعر، وحبس الأراء..
وفارقت روحه إلى بارئها وهو ما يزال يحبو نحو الخمسين! أما زوج ابنته (حميد) فقد فطن بعد أن تزوج من (بهجات) إلى أن يضع مجموعة من القواعد كي ينظم حياته وفق هواه لا وفق مفتضيات مزاجها.. فاندلع بينهما صراع عنيف، وحمي الوطيس، وتجمع الناس ذات حين فسمعوا على لسانها الطويل "من المنقي خيار"، ما جعل الرجل يفكر في وسيلة يشكمها بها، ويكبح جماح ثورتها، فأخذها يوما ما في فسحة خارج عش الزوجية، وأكرمها، ثم أقعدها يقرأ عليها اللائحة الجديدة كي تستمر الحياة بينهما، وإلا فلا بأس من الافتراق.. وتكلم الرجل بجدية مشوبة بعطف وحب، وهنا نخت المرأة، واهتاجت مشاعرها الأنثوية بصدق لأول مرة، فقبلت بقانونه الأخير، ووافقت على المعاهدة التي أبرماها بعيداً عن تأثير (دهب)، وبيتها وحيها أجمع.. ومن حسن حظه أن ماتت ذات الحنجرة الفتية بعد ذلك الحدث بيومين، وكأنما حزنت في أعماقها من جراء خنوع كبيرتها.. وتلك كانت حكاية البلدة.. وما تشدقت به نساءها في ذلك الحين!

على الجانب الأخر، ترأف (حميد) بحبيبة قلبه أياما طوال، وراعى ما تمر به من محنة فقد الأم، حتى ولو كانت أمها - في عينيه - رمزا فريدا للنكد وسلاطة اللسان.. ولقد هدأت حدة طبع (بهجات) هي الأخرى، واستأنثت بزوجها حتى الأربعين.. كم كانت أيام - برغم الحزن - جميلة، لما شهدته من رقي وفضيلة وحسن معشر.. ثم.. وآه من أداة العطف تلك، هي ولكن! فكأن روح (دهب) قد بعثت من جديد، واحتلت جسد ابنتها البكرية! ويوم خلف آخر كانت تتجلى الحيزبون الراحلة في صورة وتصرفات (بهجات)، حتى لكانت تنكر على نفسها كثيرا مما تفعل وكم حاولت أن تكون الزوجة الحبيبة اللطيفة، بيد أن الجينات النكد الأصيلة منعتها من بلوع المرام.. فاستسلمت بعد زهاء شهرين من الصراع النفسي المرير.. ولكم حذرها (حميد) حتى يأس منها، فهجرها أسابيعا طويلة، وكان يبيت منفردا على الكنبة بصالة الشقة، أو في الغرفة الوحيدة بسطح المنزل..
ثم جاء اليوم الموعود وحزم حقيبته، وانتوى الرحيل دون أن يترك رسالة.. وقابلته في حوش المنزل بينما كانت عائدة من السوق، فتجمدت الدماء في عروقها.. وارتعشت يداها وهي تمدهما لتجذب منه الحقيبة، فلم تفلح.. وهم بالمغادرة.. فتدحرجت دمعة دافئة من حدقتها على خدها الأيمن.. ثم حدجها بنظرة عتاب، فيها من الحب ما لا يعرفه إلا عاشق ولهان.. ولقد خطى بقدميه عتبة البيت تعيساً، لكنه كان قد آمن أن مصير (دهب) و (عطوان) حتماً ينتظره، ما لم يفر بحبه البريء ليحميه من الموت، حتى ولو كان الفراق هو الحل الوحيد.. والآخير!
