مهندس التدابير العبقرية" أو "سباك المطبخ الفضائي

مهندس التدابير العبقرية" أو "سباك المطبخ الفضائي
كان جابر معروفاً بين جيرانه وأصدقائه بأنه "مهندس التدابير العبقرية"، وهو لقب أطلقه عليه الجميع على سبيل السخرية لا المدح، لأن كل فكرة تخطر في باله كانت تنتهي دائماً بكارثة كوميدية مصغرة. وفي أحد أيام الصيف الحارقة، قرر جابر أن يُصلح صنبور المياه في المطبخ بنفسه بدلاً من دفع بضعة دنانير لسباك محترف، موقناً أن توفير المال هو دليل الذكاء المطلق.
بدأ جابر عمله بحماس شديد، وارتدى قميصاً قديماً وكأنه على وشك خوض معركة حربية فاصلة. وقف أمام حوض المطبخ ممسكاً بمفتاح ربط ضخم، وأخذ يراجع في ذهنه مقاطع الفيديو التعليمية التي شاهدها على هاتفه طوال الليل. وبكل ثقة، أدار مفتاح الربط بقوة هائلة لفك الصنبور القديم. وللأسف، لم يحسب حساب الصدأ الذي كان يلتصق بالأنابيب منذ عشر سنوات؛ فبدلاً من أن ينفك الصنبور، التوى الأنبوب الرئيسي تماماً، وانفجرت نافورة مياه عارمة كأنها نبع حار تفجر وسط المطبخ!
قفز جابر إلى الخلف بفزع، وتطاير الماء ليرسم خريطة جديدة على جدران السقف. صرخ جابر مذعوراً: "طوارئ! طوارئ!" وأسرع يبحث عن محبس المياه الرئيسي في الشقة. وحيث إنه لم يفتحه منذ أن استأجر الشقة قبل ثلاث سنوات، فقد استغرق وقتاً طويلاً في البحث عنه خلف خزانة الأحذية، دافعاً الأحذية والصناديق في كل اتجاه. وأخيراً، وجد المحبس وأداره بعنف حتى توقفت النافورة، لكن المطبخ كان قد تحول بالكامل إلى مسبح أولمبي مصغر تسبح فيه قطع الخبز وأغطية الأواني.
بدلاً من طلب المساعدة، قرر جابر، الذي تملكه كبرياء العباقرة المفلسين، أن يعالج الأمر بنفسه وبسرعة قبل أن تعود زوجته من عملها. أحضر جميع المناشف الموجودة في المنزل، بل وحتى ملابسه الشتوية الصوفية، ووضعها على الأرض لامتصاص الماء. وعندما أدرك أن الكمية هائلة ولا تكفيها المناشف، تذكر فكرة عبقرية أخرى: استخدام المكنسة الكهربائية لسحب المياه!
ركض جابر وأحضر المكنسة الكهربائية، ووصلها بالكهرباء، وبدأ يشفط الماء بحماس بالغ. كانت المكنسة تصدر أصواتاً غريبة تشبه عويل قطة وحشية، وفي غمرة اندماجه، لم ينتبه إلى أن سلك الكهرباء كان مغموراً في بركة الماء. وفجأة، حدث تماس كهربائي أصدر ومضة زرقاء أضاءت المطبخ وكأنها ألعاب نارية، لتنطفئ أضواء الشقة بأكملها وسط صوت فرقعة خفيف.
وقف جابر في الظلام الدامس، ووجهه مغطى ببقايا الصابون والماء، وشعره واقف تماماً بسبب الصدمة الكهربائية الخفيفة التي تلقاها. وفي تلك اللحظة بالضبط، فتح باب الشقة ودخلت زوجته حاملة أكياس البقالة الثقيلة. وقفت الزوجة مذهولة على عتبة المطبخ، تنظر تارة إلى الماء الذي بدأ يتسرب إلى الصالة، وتارة إلى زوجها الذي كان يشبه شخصية كرتونية نجت للتو من انفجار قنبلة.
ساد صمت عميق لعدة ثوانٍ، قطعها جابر بابتسامة صفراء باردة وهو يحاول تعديل وضع شعره المحترق، وقال بكل برود أعصاب: "أهلاً يا حبيبتي... هل تعلمين؟ كنت أتحدث للتو مع سباك ماهر، وقد اتفقنا على أن المطبخ كان بحاجة ماسة إلى تغيير الديكور وإدخال نظام المسبح الداخلي للتخفيف من حر الصيف!"
نظرت إليه زوجته نظرة واحدة فقط، تلك النظرة التي تعني بوضوح أن موعد رحيل جابر إلى محكمة الأسرة أو الاستيلاء على ممتلكاته قد اقترب، ولم تضف كلمة واحدة بل سحبت هاتفها وبدأت بالاتصال بالصيانة فوراً، بينما ظل جابر واقفاً مكانه يفكر في عذر منطقي يبرر سبب تحول منزله إلى بحيرة سوان.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق