"مغامرات التربية الحديثة" أو "معركة الباتمان الصباحية"

"مغامرات التربية الحديثة" أو "معركة الباتمان الصباحية"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about

"مغامرات التربية الحديثة" أو "معركة الباتمان الصباحية"

دخل الأستاذ فريد إلى غرفة الحضانة الخاصة بابنه الأصغر “تيم” في تمام الساعة الثانية صباحاً، وهو يجر أقدامه بتعب شديد وكأنه جندي عائد من معركة طاحنة. كان فريد قد قرر قبل أسبوعين أن يتحول إلى أب مثالي يطبق أحدث نظريات التربية الحديثة التي قرأ عنها في كتاب ضخم بعنوان “فن تربية العباقرة دون صراخ”. ومن ضمن القواعد المقدسة في ذلك الكتاب: “لا ترفع صوتك أبداً على طفلك، ولا تفرض شيئاً بالقوة، بل دعه يكتشف عواقب أفعاله بنفسه ليتعلم بالطريقة الطبيعية!”.

في تلك الليلة، كان تيم البالغ من العمر ثلاث سنوات يرفض تماماً ارتداء بيجامة النوم، ومصرّاً على ارتداء ملابس تنكرية عبارة عن بذلة “رجل الخفاش” (باتمان) المصنوعة من النايلون الخشن، مع حذاء ثقيل يصدر أصوات صفير مع كل خطوة. تذكر فريد نصيحة الخبير التربوي في الكتاب: “دعه يختار، فالحرية تصنع الشخصية”، فتنفس الصهد وابتسم ابتسامة صفراء وافقته الرأي، وترك تيم يرتدي ملابسه العجيبة وينام بها على السرير.

لكن الكارثة الحقيقية بدأت في تمام الساعة السادسة صباحاً، عندما استيقظت زوجة فريد، مريم، التي كانت مستغرقة في نوم عميق. نهضت مريم من السرير متوجهة إلى المطبخ لإعداد القهوة، وبينما كانت تمر في الممر المعتم، داست بقدمها الحافية على لعبة صغيرة تصدر صوتاً مرعباً يشبه عواء الذئب، فصرخت بخوف وفقدت توازنها، لتصطدم ببرج من علب الحبوب الفارغة التي تركها فريد ليلاً بناءً على رغبته في “عدم كبت طاقات طفله الإبداعية”. تهاوت العلب بصوت ضخم أيقظ الحي بأكمله، فخرج الجيران من شققهم مفزوعين يظنون أن زلزالاً مدمراً قد ضرب المبنى.

رسا فريد سريعاً في المطبخ محاولاً تبرير الموقف أمام زوجته التي كانت تشتعل غضباً، وقبل أن تفتح فمها لتوبخه، ظهر تيم فجأة من خلف الباب وهو يرتدي بذلة باتمان، ويهبط على زحليقة بلاستيكية صغيرة وضعها وسط الصالة. ولأن حذاء الصفير كان زلقاً للغاية، فقد فقد تيم السيطرة على سرعته، وانزلق كالصاروخ ليرتطم بقوة بسلة المهملات الممتلئة، وينثر محتوياتها التي كانت تضم بقايا قشر الموز والتونة في كل اتجاه، لتتحول صالة الشقة خلال ثوانٍ معدودة إلى حلبة تزلج لزجة برائحة السمك.

وقف تيم وسط الفوضى غير مبالٍ بشيء، ورفع يديه وكأنه بطل خارق أنهى مهمته بنجاح، بينما وقفت مريم تنظر إلى زوجها نظرة ثاقبة تكفي لإطلاق حرب عالمية ثالثة. أخذت مريم نفساً عميقاً، والتفتت إلى فريد قائلة بصوت هادئ ومخيف: “أين هو كتاب التربية الحديثة الخاص بك يا عزيزي؟”. ابتلع فريد ريقه بصعوبة بالغة، وابتسم بارتباك شديد وهو يشير بإصبعه نحو سلة المهملات التي سبح فيها ابنه قبل قليل، وقال بصوت متقطع: “أعتقد... أعتقد أن الصفحة الأخيرة كانت توصي بإشعال النيران في المنزل للتخلص من الحشرات، ربما جدر بنا تطبيقها الآن لنختصر الوقت!”.

لم تستطع مريم تمالك نفسها أمام مظهر زوجها الذي كان يغطي الطحين وجهه وشعره بسبب انفجار كيس الدقيق في الخلفية، فانفجرت ضاحكة بهستيريا، لتتحول أزمة الصباح إلى نوبة ضحك جماعية شارك فيها تيم وهو يصفق بيديه المتسختين، بينما وقف فريد يدعو في صمته أن تشرق الشمس سريعاً لعلها تحرق كتاب التربية الحديثة إلى أبد الآبدين.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Amira Alamir تقييم 4.99 من 5.
المقالات

28

متابعهم

53

متابعهم

70

مقالات مشابة
-