image about مدينة لا يزورها الصباح

 

مدينة لا يزورها الصباح

 

في مكان لا يظهر على أي خريطة، كانت هناك مدينة تُدعى نوفارا، مدينة غريبة لم ترَ ضوء الشمس منذ ألف عام. لم يكن أهلها يعرفون معنى النهار، فقد كانت سماؤها مغطاة بسحب زرقاء متوهجة، وكانت شوارعها تُضاء بمصابيح معلقة في الهواء دون أسلاك أو نار. ومع ذلك، كان أكثر ما يخيف سكان المدينة هو شيء واحد: كل شخص يولد في نوفارا يفقد ذكرى واحدة من حياته كل عام.

كان "آدم" شابًا في السابعة عشرة من عمره، يعمل في إصلاح ساعات المدينة القديمة. وفي ليلة عيد ميلاده، استيقظ ليجد ساعة غريبة على مكتبه لم يرها من قبل. كانت الساعة بلا عقارب، وفي وسطها عين ذهبية صغيرة تتحرك وكأنها تنظر إليه. وعندما لمسها، سمع صوتًا هامسًا يقول: "الصباح لم يختفِ... لقد سُرق."

لم يفهم آدم معنى الكلمات، لكنه بدأ يلاحظ شيئًا مرعبًا. في اليوم التالي، لم يتذكر وجه والدته. كان يعرف أنها أمه، ويتذكر صوتها ورائحة منزلها، لكنه لم يعد قادرًا على تذكر ملامحها. وعندما أخبره والده بما حدث، أخبره أن الأمر طبيعي في نوفارا، لكن آدم أدرك أن هذه المرة مختلفة.

قادته الساعة الغامضة إلى أسفل المدينة، حيث اكتشف بابًا حجريًا مخفيًا خلف جدار قديم. كان الباب يحمل نقشًا يقول: "حين تنسى المدينة آخر حلم لها، سيولد الصباح من جديد."

خلف الباب وجد آدم عالمًا لم يكن يتخيله. كانت هناك آلاف الذكريات محفوظة داخل بلورات مضيئة، وكل بلورة تحتوي على ذكرى سرقها الزمن من أحد سكان المدينة. وبينما كان يتجول بينها، ظهرت أمامه فتاة غامضة تُدعى "ليان"، أخبرته أنها آخر حارسة لـ"شعلة الفجر".

كشفت ليان الحقيقة: قبل ألف عام، اكتشف حكام نوفارا مخلوقًا أسطوريًا يُسمى آكل الساعات، مخلوقًا يعيش خارج الزمن ويتغذى على ذكريات البشر. ولحماية المدينة، عقد الحكام اتفاقًا معه؛ يمنحونه ذكرى واحدة من كل إنسان كل عام، مقابل أن يبقى المخلوق بعيدًا عن المدينة.

لكن الاتفاق كان يقترب من نهايته.

كان على آدم وليان الوصول إلى برج الزمن في قلب المدينة وإيقاف الساعة العملاقة التي كانت تغذي آكل الساعات. المشكلة أن البرج لم يكن موجودًا في مكان ثابت؛ بل كان يظهر في مكان مختلف كل ليلة، ولا يستطيع الوصول إليه إلا شخص مستعد للتخلي عن أغلى ذكرى يمتلكها.

بدأ آدم رحلتهما عبر أحياء نوفارا، بينما كانت ذكرياته تختفي واحدة تلو الأخرى. نسي أول يوم ذهب فيه إلى المدرسة، ثم نسي صديقه القديم، ثم نسي صوت والده. وكلما اقتربا من البرج، أصبح أكثر خوفًا من الذكرى الأخيرة التي قد يخسرها.

في الليلة الأخيرة، ظهر برج الزمن فوق السماء للمرة الأولى منذ ألف عام. صعد آدم وليان آلاف الدرجات، حتى وصلا إلى غرفة ضخمة في أعلاها ساعة عملاقة تدور دون عقارب. وهناك ظهر آكل الساعات، مخلوق هائل مصنوع من الظلال والوجوه المنسية.

عرض المخلوق على آدم صفقة: يمكنه إعادة جميع ذكرياته وذكريات سكان المدينة، لكنه سيأخذ بدلًا منها ذكرى واحدة فقط... ذكرى الشخص الذي يحبه آدم أكثر من أي شيء آخر.

نظر آدم إلى ليان، وفهم أن المخلوق يريد أن يأخذ ذكراها.

رفض آدم الصفقة.

أخرج الساعة الذهبية التي وجدها في منزله، ووضعها داخل قلب الساعة العملاقة. عندها بدأت كل البلورات الموجودة أسفل المدينة تتحطم، وانطلقت آلاف الذكريات في السماء كنجوم مضيئة.

صرخ آكل الساعات، وبدأ جسده يتفتت، لكن قبل أن يختفي، أخبر آدم أن الصباح له ثمن، وأن المدينة ستدفعه.

وفجأة... حدث شيء لم يحدث منذ ألف عام.

ظهرت خيوط ذهبية خلف الجبال.

رفع سكان نوفارا رؤوسهم إلى السماء، وشاهدوا الشمس لأول مرة.

بكى البعض، وضحك آخرون، وسقط كثيرون على الأرض من شدة الدهشة. أما آدم، فوقف بجوار ليان وهو يحاول تذكر وجه والدته.

ثم ابتسم.

لأنه تذكرها.

لكن ليان كانت تنظر إليه بصمت.

سألها آدم: "ماذا حدث؟"

أجابته والدموع في عينيها: "لقد دفعتُ الثمن بدلًا منك."

نظر إليها آدم ولم يعرف من تكون.

لقد نسيها.

لكن عندما بدأت الشمس تشرق فوق نوفارا، وضعت ليان يدها على قلبها وقالت:

"لا بأس... بعض الذكريات لا تحتاج أن نتذكرها حتى تبقى معنا."

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت نوفارا مدينة يزورها الصباح كل يوم.

لكن في كل صباح، كان آدم يشعر بحزن غريب لا يعرف سببه، وكأنه فقد شخصًا عزيزًا عليه منذ زمن بعيد.

وفي مكان ما، بعيدًا عن المدينة، كانت ليان تراقب شروق الشمس وتبتسم.

فقد نسيت المدينة ليان...

لكنها لم تنسَ أن تحلم.