حين اختارها القدر… رغم أن كل شيء كان ضده

حين اختارها القدر… رغم أن كل شيء كان ضده

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

    حين اختارها القدر… رغم أن كل شيء كان ضده

       لم يكن يعرف أن ذلك الصباح سيغير حياته إلى الأبد.

كان يجلس وحيدًا في أحد المقاهي القديمة، يحدق في فنجان القهوة أمامه دون أن يشعر بطعمه. كان قد اعتاد الوحدة، حتى أصبحت جزءًا من يومه، ولم يعد ينتظر من الحياة شيئًا سوى أن تمر الأيام بهدوء.

ثم دخلت هي.

لم تكن تعرفه، ولم يكن يعرفها، لكن شيئًا غريبًا حدث في اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها. للحظة قصيرة، شعر وكأن الضوضاء من حوله اختفت تمامًا، وكأن المكان لم يعد يحتوي إلا عليهما.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تبحث عن مكان فارغ، ثم جلست بالقرب منه.

لم يتحدث إليها.

اكتفى بالنظر إليها من بعيد، محاولًا إقناع نفسه بأن الأمر مجرد إعجاب عابر، وأنها ستغادر وينتهي كل شيء.

لكنها لم تغادر من ذاكرته.

في اليوم التالي عاد إلى المقهى في نفس الموعد، دون أن يعترف لنفسه بأنه كان ينتظرها.

وبعد دقائق دخلت.

هذه المرة ابتسم لها.

ابتسمت له.

ومن تلك الابتسامة بدأت الحكاية.

تكررت اللقاءات، وتحولت النظرات إلى كلمات، والكلمات إلى أحاديث طويلة، والأحاديث إلى انتظار لا يكتمل اليوم بدونه.

عرف أنها تحب المطر، وأنها تخاف من فقدان الأشخاص الذين تحبهم. وعرفت أنه يخفي حزنه خلف ضحكاته، وأنه عندما يتعلق بشخص، يصبح مستعدًا لفعل أي شيء من أجله.

لم يكن حبهما مثاليًا، لكنه كان صادقًا.

كانا يختلفان كثيرًا، ويتشاجران أحيانًا، ثم يعود كل منهما للآخر وكأن الخصام لم يحدث. كانا يعرفان أن الحب ليس أن تجد شخصًا لا يخطئ، بل أن تجد شخصًا يستحق أن تسامحه كل مرة.

ومع مرور الوقت، أصبح وجودها بالنسبة إليه أكثر من مجرد حب.

أصبحت وطنًا.

وأصبح هو بالنسبة إليها المكان الوحيد الذي تستطيع أن تكون فيه على طبيعتها دون خوف.

لكن الحياة لم تكن مستعدة لأن تتركهما سعيدين بهذه السهولة.

في يوم من الأيام، أخبرته أنها ستسافر مع عائلتها إلى مدينة بعيدة، وأنها لا تعرف متى ستعود.

حاول أن يبدو قويًا.

قال لها:
"المسافة مش هتفرق، طالما إحنا متمسكين ببعض."

ابتسمت، لكن عينيها كانتا تخفيان خوفًا كبيرًا.

قالت له:
"وعدني إنك مش هتنساني."

أمسك يدها وقال:
"أنا ممكن أنسى أي حاجة في الدنيا… إلا إنتِ."

سافرت.

وفي البداية، كانت المكالمات لا تنتهي، والرسائل تمتد حتى ساعات الفجر. كانا يحكيان لبعضهما تفاصيل يومهما وكأنهما يجلسان في المكان نفسه.

لكن المسافة بدأت تفعل ما تجيده.

تأخرت الرسائل.

قلت المكالمات.

بدأ الخوف يتسلل إلى قلب كل منهما.

وفي إحدى الليالي، انتظر مكالمتها حتى الفجر، لكنها لم تتصل.

في اليوم التالي لم ترد.

ثم مر يوم آخر.

وثالث.

حتى جاءته رسالة قصيرة منها:

"سامحني… أنا مضطرة أبعد."

قرأ الرسالة مرات عديدة، لكنه لم يستطع فهمها.

اتصل بها.

لم تجب.

أرسل عشرات الرسائل.

لا رد.

وفي النهاية أدرك أن الإنسان يمكن أن يشعر بالانكسار حتى دون أن يسمع كلمة "انتهينا".

مرت الشهور.

حاول أن يعيش حياته بشكل طبيعي، لكنه لم يستطع.

كان يذهب إلى نفس المقهى، ويجلس في نفس المكان، ويطلب نفس القهوة. وفي كل مرة كان يترك المقعد المقابل فارغًا، وكأنه ينتظر عودتها.

لم يتوقف عن حبها.

لكنه توقف عن انتظارها.

وهناك فرق كبير بين الاثنين.

بعد عام كامل، وفي مساء ممطر، كان يغادر المقهى حين سمع صوتًا يعرفه جيدًا.

"لسه بتحبني؟"

تجمد في مكانه.

استدار ببطء.

كانت تقف أمامه، تحمل مظلة سوداء، ووجهها مبلل بدموع اختلطت بقطرات المطر.

لم يسألها أين كانت.

لم يلومها.

لم يغضب.

نظر إليها طويلًا، ثم قال:

"أنا حاولت أنساكي… بس قلبي مكنش بيسمع كلامي."

بكت.

وقالت له إنها لم تبتعد لأنها لم تعد تحبه، بل لأنها كانت تخشى أن يكون حبها سببًا في خسارته. كانت هناك ظروف عائلية قاسية أجبرتها على الابتعاد، وكانت تظن أن الرحيل سيحميه من الألم.

لكنها اكتشفت بعد عام كامل أن البعد لم يحمِ أحدًا.

بل جعل الاثنين يتألمان وحدهما.

اقترب منها وقال:

"كان ممكن تحاربي معايا… بدل ما تحاربي لوحدك."

خفضت رأسها وقالت:

"كنت خايفة."

ابتسم رغم دموعه:

"وأنا كنت مستعد أخاف معاكي."

رفعت عينيها إليه.

وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك شيء آخر مهم.

لا المسافة.

ولا الماضي.

ولا الخوف.

فقط قلبان وجدا طريقهما إلى بعضهما من جديد.

أمسك يدها، ومشيا تحت المطر.

لم يكن يعرف ماذا سيحدث غدًا، ولم تكن تعرف إن كانت الحياة ستصبح أسهل.

لكن الاثنين تعلما شيئًا واحدًا:

أن الحب الحقيقي لا يعني ألا تواجه المشاكل، بل أن تجد شخصًا يقول لك وسط كل المشاكل:

"أنا هنا… ولن أترك يدك."

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد منهما يسأل إن كان القدر قد جمعهما بالصدفة.

لأنهما أدركا أن بعض اللقاءات لا تكون صدفة.

بعض الأشخاص يدخلون حياتنا في اللحظة التي نحتاج فيها إلى سبب جديد لنؤمن بأن الحياة ما زالت تخبئ لنا شيئًا جميلًا.

وبعض قصص الحب، مهما حاول الزمن أن ينهيها…

تظل تبحث عن نهاية تليق بها.

أما قصتهما، فلم تنتهِ عند عودتها.

بل بدأت من جديد.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
ahmed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-